بدأت القصة حين بُوِّئ لإبراهيم مكان البيت، وأُختير له موضعًا في وادٍ غير مأهول بالحياة، حيث لا بشر، ولا كلأ، ولا موارد. ثم رُفع البيت بعد حين، وأصبح للناس بوصلةً روحانية، تهتدي بها أرواحهم، ومرجعاً يلجؤون إليه حين تضيق بهم الحال، وحصناً منيعاً من شرور الدنيا وآفاتها المعنوية والجسدية؛ فمن دخله كان آمنًا.
ثم أُذِّن في الناس بالحج، كشعيرة تكتنز في مضمونها، وخلال أدائها، العديد من العبر والدروس التي يستنير بها الإنسان المتأمل. يستلهم المرء أن معنى المساواة بين البشر ركنًا أساسيًا في هذه الرحلة؛ فالكل، باختلاف لغاتهم وألوانهم وأعراقهم وطبقاتهم، يتحدون بلباس واحد، صوب مكان واحد، قاصدين ربًا واحدًا.
تأثير المساواة على المفاهيم الثقافية
تأثر مالكوم إكس بهذا المعنى حين رآه يُطبَّق واقعًا حيًّا، في وحدة اللباس، ومشاركة المسكن بين الأسود والأبيض والعربي والأعجمي، ومشاركة المأكل والمشرب والمجلس، مما عمّق فهمه لجوهر رسالة الإسلام في إرساء معنى المساواة بين البشر. يُذكر أنه كان يعتقد أن هذا الدين في الولايات المتحدة قد وُجد للسود لمواجهة تطرف البيض، حتى شهد في الحج صورة أخرى للإنسانية، أوسع من التصورات الضيقة وأرحب من التصنيفات العرقية، بل جسراً يقرب شعوب العالم من بعضها البعض، ويلين سريرة الإنسان على الإنسان.
المسؤولية والكرم في استضافة الحجاج
وفي هذه الشعيرة، تتجلى أعظم مقاصد الإنسانية. كرم العرب وحفاوتهم في استضافة ضيوف الرحمن يعدّونه من ضروب الشرف والسؤدد. فقديمًا تولى أهل مكة مهام السقاية والرفادة، واستمرت هذه الفضيلة حتى شهدنا في عصرنا أروع أمثلة «كرم الاستضافة»، التي تجسدها أجهزة الدولة في استنفارها وتسخير جهودها لضمان راحة الحاج وسعادته وأمنه وصحته، وانسيابية أدائه للمشاعر. يشعر كل مدني وعسكري بأن هذه الأمانة وسام تكليف قبل أن تكون تشريفًا، فيتسابق أبناء الوطن في التطوع ودعم الجهود التنظيمية. هذا المعنى الجليل يجسد كرم النفس، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، وترسيخ قيمة الاستخلاف في الأرض بما يعمرها معنويًا وماديًا.
الزراعة الروحية والرزق الإلهي
يتجلى أيضًا معنى الرزق حينما يسوقه الله إلى وادٍ غير ذي زرع، فيصبح ـ بين ما قبل دعوة إبراهيم وما بعدها ـ مكانًا تُجبى إليه ثمرات كل شيء. أرض كانت قاحلة مجهولة، ثم صارت مأهولة، تهوي إليها أفئدة الناس، وتشتاق أرواحهم إليها وإلى زيارتها، بل وتتوجه وجوههم نحوها كل يوم. وقد تُظهر عظمة الدعاء حين يحوّل الأرض الجدباء إلى موضع حياة، ويغير من الظروف الشديدة إلى ظروف مواتية للعيش الطيب والهنيء.
قوة اليقين والتشريف في الحج
ومن أعظم المعاني أيضًا قوة اليقين، حين تجسدت في قول هاجر: «آلله أمرك بهذا؟ إذن لا يضيعنا». ينطوي هذا المعنى على اقتران اليقين ببذل السبب، ولو صدر بجهد قليل؛ حيث حصل السعي بين الصفا والمروة، وبرزت فكرة مؤدىها أن التحام اليقين مع السعي، يفضي إلى أروع النتائج؛ متجسدةً في شربة هنيئة من بئر زمزم الذي لم ينقطع معينها منذ ذلك الحين. بعد كل هذه المعاني الرفيعة، يأتي رافد إنساني يعزز جميع هذه النعم، يتمثل في شكر النعمة والاستمتاع بها، وتقديم الأضحية، واستحضار أن منها نصيبًا واجبًا للبائس الفقير؛ ليبقى الحج، في جوهره، شعيرة تعبّد، ومدرسة إنسان، وذاكرة حضارة، وثقافة رفيعة يعتد بها ويستند عليها.






