عاجل
١٩ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 5 يوليو 2026

كتاب «ينبع النخل.. صفحات من تاريخها وتراثها» يضيف بعداً حياً للذاكرة المحلية

04/07/2026 23:01

أصدرت دار المفردات في منتصف عام 2026 الطبعة الأولى من مؤلف الدكتور عبد الله المعيقل بعنوان “ينبع النخل.. صفحات من تاريخها وتراثها”. يتألف الكتاب من مئتين وخمسة عشر صفحة، ويُسهم في إثراء المكتبة السعودية بعمل يتجاوز أسلوب التوثيق التقليدي، إذ يعرض القرية ككيانٍ ينبض بالحياة من خلال ذاكرته المتجددة وأبنائه الذين يعيدون إحيائه كلما حاول الزمن طمس تفاصيله.

إعادة إحياء الهوية من خلال السرد المحلي

في ظل الاهتمام المتزايد بالمدن الكبرى وتطورات العمران السريعة، تبرز مثل هذه الإصدارات كأدوات لاسترجاع الهوية بصورة أقرب إلى الإنسان. فالأرض لا تُفهم من خلال الخرائط وحدها، بل تُقرو من خلال حكاياتها الصغيرة وتفاصيل حياة سكانها التي تشكل وجدانهم. ومن هنا تنبع القيمة النوعية للكتاب، إذ يعمل كذاكرة معرفية نشطة تعيد استدعاء الماضي ليس كفترة منقوصة، بل كمادة حية يمكن قراءتها وتأويلها من جديد.

منهجية حديثة في قراءة التاريخ

نجح المؤلف في تحويل الوقائع التاريخية إلى حوارٍ مفتوح بين الماضي والحاضر، مستعيناً بأدوات المعرفة المعاصرة ومنهجية الباحث القادر على الجمع بين التفسير والتحليل. فالمطلوب ليس مجرد معرفة ما حدث، بل فهم دوافع الحدث، ومسار نتائجه، وتأثيره على المكان وسكانه. هذا النهج يُعيد للكتابة التاريخية حيويتها ويجعلها تجربة إنسانية متجددة.

تحليل نصوص الرحالة وإعادة قراءتها

من أبرز ما يميّز الكتاب هو المساحة التي خصّصها للدخول في أقوال الرحالة الذين مروا بنبع النخل، غير أن المعيقل لا يقتصر على نقل ما قالوه بل يضع نفسه في موقع الباحث الذي يحاور النصوص، يفككها ويعيد النظر في استنتاجاتها. فالمسافرين كانوا دائمًا نتاج زمانهم وثقافتهم، لذا قد تكون قراءتهم للمكان جزئية أو متحيزة. لم يَقبل المؤلف هذه الملاحظات كحقائق نهائية، بل اعتبرها نصوصاً قابلة للنقاش والتحليل، مستنداً إلى الوثائق والذاكرة والروايات المحلية لإعطاء القارئ صورة أكثر توازناً وعمقاً.

الشعر كمرآة للهوية العاطفية

أدرك المؤلف أن الشعر يلعب دور الحافظ الرسمي للحنين إلى الأماكن، فتوغّل في أصوات شعراء نبع النخل عبر الأجيال وجعل من قصائدهم شاهدًا إضافيًا على تاريخ المكان. عندما يتغنى الشعراء بأوطانهم لا يقتصر الوصف على الحجر والنخل والمياه، بل يكشف عن طبقات خفية في العلاقة بين الإنسان وأرضه. هذا البعد الشعري أضفى على الكتاب صبغة إنسانية مؤثرة، انتقل القارئ من معلومات تاريخية إلى مشاعر الانتماء، ومن جغرافيا المكان إلى وجدانه.

كما أظهر المؤلف جرأته العلمية في تناول المعتقدات الشعبية والعادات المتجذرة في تاريخ نبع النخل. رغم أن بعض هذه الحكايات تحمل طابعًا أسطوريًا أو خرافيًا، فقد حرص الدكتور عبد الله المعيقل، أستاذ الأدب والشعر بجامعة الملك سعود، على توثيقها وإعطائها النصيب المستحق من الاهتمام، مدركًا أن الثقافة الشعبية تشكل جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المجتمعات. لم يكتفِ بسردها، بل وضعها تحت مجهر التحقيق العلمي، ما عكس دور الكتاب في حفظ الذاكرة وتنقيحها معًا.

في الختام، لا يقتصر “ينبع النخل.. صفحات من تاريخها وتراثها” على سرد صفحات من تاريخ القرية وتراثها فحسب، بل يقدّم نموذجًا عمليًا للمثقّف الساعي إلى كتابة ذاكرة موطنه بعين الباحث ومحبة القارئ. يدعو الكتاب إلى استنطاق الأمكنة وإعادة اكتشافها وحفظ تاريخها للأجيال القادمة؛ فالأماكن التي لا تُسجَّل تميل إلى النسيان، بينما تلك التي تُروى حكاياتها تبقى حية كالنخلة المتجذرة، تزداد بريقًا مع مرور السنين.