عاجل
١٧ محرم ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 3 يوليو 2026
الرياض +16°C

مفهوم الجيل البشري: من ثبات قرون إلى تسارع تكنولوجي غير مسبوق

02/07/2026 03:01

ظل مفهوم الجيل البشري محافظًا على ثباته لقرون طويلة، إذ كانت حياة المجتمعات تسير بإيقاع واحد دون تغير يُذكر. لم تكن وسائل الاتصال تتطور، كما أن أدوات الإنتاج – الزراعية والصناعية والطبية وغيرها – كانت تتغير ببطء شديد يكاد لا يُلاحظ. ومضت قرون دون أن يحدث جديد يذكر في نمط حياة الإنسان أو الأدوات المتاحة له، خاصة في منطقة الجزيرة العربية.

في تلك العصور، كان جيل الأبناء يرث معارف الآباء المحدودة كاملة، وينقلها بدوره إلى أبنائه، فاستمرت البشرية في حرث الأرض بالطرق التقليدية نفسها، واعتمدت على وسائل بدائية للتنقل والترحال والبحث عن الماء والكلأ.

تقدير الجيل البشري عبر العصور

في هذا الجو المستقر، قدر العلماء الجيل البشري بحوالي ثلاثين عامًا – أي ثلث قرن تقريبًا – وهو متوسط المدة بين ولادة الآباء وولادة الأبناء. وشاع هذا التصور كقاعدة ثابتة لقرون عديدة، حتى إن ابن خلدون قدر الجيل بحوالي 33 عامًا.

دعوات قديمة للتكيف مع تغير الزمن

رغم هذا الاستقرار الماضي، أدرك الآباء أن التغيير قادم، وأن لكل زمان متطلباته. واشتهرت عبارة نسبت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه تقول: «لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». كما نسبت عبارة مشابهة لسقراط: «علموا أولادكم غير ما تعلمتم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم».

ومهما كان قائل هذه العبارة، فإن مضمونها يدعونا إلى قبول فكرة تغير الأجيال وحتمية اختلاف قناعاتهم ومعارفهم وأنماط حياتهم عن أسلافهم. كما تشدد على ضرورة مواكبة كل جديد مفيد وتطويعه ليتوافق مع قيمنا وأخلاقنا باستمرار، حتى لو كان هذا الجديد يظهر كل ثلاثة عقود فقط.

تسارع الأجيال في عالم التقنية

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ما زال هذا المفهوم ثابتًا في عصرنا؟ أم أن السرعة غير المسبوقة في المخترعات والتكنولوجيا تفرض علينا إعادة النظر في تقدير الجيل؟ لنترك الجيل البشري جانبًا للحظة، لنتأمل تطور أجيال عالم التقنية، مع التركيز على مثالين بارزين: الهواتف النقالة ونظام ويندوز.

فيما يخص الهواتف النقالة، فقد تعاقبت عدة أجيال منها خلال الأعوام الثلاثين الماضية. تحول هذا الجهاز بسرعة خيالية من مجرد هاتف لاسلكي يشبه الهاتف الثابت، إلى جهاز يؤدي دور المذياع والكاميرا والتلفاز والفاكس والبريد الإلكتروني، بالإضافة إلى آلاف التطبيقات الأخرى التي تتجدد يوميًا، لدرجة أن حصرها بدقة يستوجب كتابًا كاملًا، ولا تكفي مجرد إشارة في مقال.

أما في عالم الكمبيوتر، وتحديدًا نظام «ويندوز»، فقد شهدنا خلال حوالي 33 عامًا فقط – المدة المفترضة لجيل بشري واحد – تعاقب أكثر من ثمانية أجيال منه. فمنذ أول ظهور له في الثمانينيات، بلغ متوسط عمر الجيل الواحد بين عامين وخمسة أعوام تقريبًا. وما نشهده اليوم من بزوغ نجم الذكاء الاصطناعي سيغير كثيرًا من الموازين، ويجب على شبابنا أن يتسلحوا بأدواته ومهاراته ليشاركوا في تشكيله، وليس مجرد استخدامه.

دعوة لتعديل المفهوم

في ظل هذه النقلة الحضارية الهائلة، أليس من الواجب أن نراجع مفهوم الجيل البشري؟ وهل ينبغي أن نعدل العبارة المأثورة، فبدلًا من قول: «علموا أولادكم غير ما تعلمتم»، نقول: «علموا كل ولد من أولادكم غير ما تعلم أخوه، فإن جيله يختلف عن جيل أخيه»؟