عاجل
١٧ محرم ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 3 يوليو 2026
الرياض +13°C

عتاب الأقارب: عندما يصبح اللوم وسيلة للإصلاح

02/07/2026 03:01

فلسفة الغضب التربوي

ليس كل غضب indicates خصومة، ولا كل عتب يعني جفاء. في شبكة العلاقات الإنسانية، خصوصاً داخل الدائرة الضيقة من الإخوة وأبناء العمومة والزوجة والأبناء، يظهر نوع من الغضب الراقي الذي لا ينبع من حسد ولا يهدف إلى ظلم ولا يؤدي إلى قطع رحم. هذا هو “غضب المصلح المشفق”؛ يرى الاعوجاج في سلوك من يحب، فلا تسعه مروته ولا دينه أن يقف متفرجاً، فيتحرك قلبه غيرةً وينطق لسانه نصحاً وتقويماً.

لماذا نغضب؟ الإنسان بطبيعته لا يولي اهتماماً لأخطاء العابرين في حياته، لكنه يطول الوقوف أمام زلات ذوي القربى؛ لأن القريب يمثل امتداداً لكرامة الفرد وعنواناً لأسرته وقبيلته. عندما يغضب الغيور لتصحيح سلوك غير سوي صدر من أخ أو ابن عم، فإن هذا الغضب يعد أرفع درجات النصح المطلوب شرعاً وعرفاً.

وقد عبر الشاعر العربي القديم عن هذا المعنى ببراعة عندما قال:
“قَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً … فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ”

ويعبر بشار بن برد عن ذات الفكرة في عتاب الإخوان وتوجيههم:
“إِذا كُنتَ فِي كُلِّ الذُّنُوبِ مُعاتِباً … أَخاكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه”

أدب التقويم: الفعل لا الفاعل

الخط الرفيع الذي يفصل بين الغضب التربوي المصلح والغضب الهدام يكمن في “الوجهة\). الغضب السليم يتجه مباشرة نحو السلوك غير السوي لتفكيكه وتعديله، مع الحفاظ الكامل على مكانة الشخص وعرضه. هو حزم في مواجهة الخطأ، توازنه رحمة بالمخطئ، ويقين بأن المجاملة على حساب الأخلاق هي غش في النصيحة، بينما المشوبة بالحرص هي المحبة الحقيقية.

وفي الموروث النباطي الأصيل نجد هذا الحث على تبيان الخطأ للقريب وحمايته بالنصح دون مواربة، مع بقاء حبل الود متيناً، كما يُقال في الحكمة الشعرية:
“الِّلابِة الِّلي ما تَعَاتَبْ عِلَلْهَا … تَبْقَى عِلَلْهَا دَاخِلِ الْجَوْفِ عِلَّه”
“وَالْكِلْمَة الِّلي تُوجِعِكَ مِنْ قِبَلْهَا … عِتَابْ سَمْحِينِ الْوِجِيهِ اسْتِدَلَّه”

خاتمة

سيبقى الحزم في الحق، المغلف بقرابة الرحم، هو الحصن المنيع لتماسك مجتمعاتنا وحفظ قيمها الأصيلة. الغضب لأجل التقويم ليس قسوة، بل هو أسمى ألوان الرعاية. عندما يدرك القريب أن خلف تلك الغضبة قلباً يحوطه بالحب ويخشى عليه من الزلل، تتحول جفوة العتاب إلى وثيقة عهد جديدة، تقوي أواصر القربى وتستقيم السلوكيات.