عاجل
١٧ محرم ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 3 يوليو 2026
الرياض +20°C

إعادة النظر في دور الألم في بناء الذات

01/07/2026 09:03

في الوهلة الأولى تبدو الجملة بسيطة، لكنها تخفي وراءها سؤالًا وجوديًا عميقًا. لا تكمن الإشكالية في وقوع الألم ذاته، إذ لا أحد ينجو منه، بل في الكيفية التي يستقبل بها الإنسان معاناته، والمعنى الذي يمنحه لها، والطريقة التي تسمح للألم بإعادة تشكيل نظرته للحياة. فالألم ليس مجرد حادث عابر، بل هو اختبار يكشف طبيعة علاقتنا بالوجود.

الألم كخلل يُسعى لإصلاحه

في العصر الراهن يُعامل الألم غالبًا كعلة يجب تصحيحها. التقدم الطبي، وصناعة الأدوية، وثقافة الرفاهية، وحتى بعض التيارات المعاصرة في علم النفس، تنطلق من premise واحد: المعاناة حالة استثنائية يجب التخلص منها بأسرع ما يمكن. لم يعد السؤال “ماذا يمكننا أن نستقي من الألم؟” بل “كيف نتخلص منه بأقل تكلفة ممكنة؟” هذا المنظور، رغم فائدته العملية، يختزل جانبًا كبيرًا من التجربة الإنسانية.

وجهات نظر فلسفية ونفسية

ليس كل ألم عدوًا يجب محوه، وليس كل معاناة عبثًا ينبغي إزالته. هناك آلام لا يمكن تجاوزها إلا بعبورها، وتجارب لا تنضج إلا تحت وطأة المحنة. إرنست يونغر أدرك هذا جيدًا؛ فقد عاش الحرب العالمية الأولى بكل قسوتها، أصيب فيها مرات عديدة، ورأى الموت عن قرب حتى أصبح جزءًا من ذاكرته اليومية. لم تنبع كتاباته من تأمل نظري بارد، بل من تجربة شخصية عميقة. لذلك لم يتحدث عن الألم كمجرد فكرة، بل كواقع عاشه بتفاصيله.
في كتابه “عن الألم” الصادر عام 1934 لا يمجد يونغر المعاناة ولا يدعو إلى البحث عنها، كما ظن بعض منتقديه، بل يرى أن قدرة الإنسان على مواجهة الألم دون أن يفقد إنسانيته هي إحدى العلامات الفارقة في تكوين الشخصية. في نظره الألم ليس نقيض الحياة، بل أحد أبوابها الكبرى.
كان يعتقد أن المجتمعات الحديثة التي جعلت الأمن والراحة هدفها الأعلى فقدت شيئًا أساسيًا من قوتها الداخلية. من يفر من كل ما يؤلمه ينتهي إلى فقدان القدرة على مواجهة الحياة نفسها. الشخصية القوية ليست التي لا تشعر بالألم، بل التي تستطيع النظر إليه دون أن تنهار، وتحول المعاناة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والجرح إلى بصيرة.
لم يكن يونغر وحيدًا في هذا الفهم. فكر إنساني متنوع عاد مرارًا إلى الفكرة نفسها، وإن عبر عنها بلغات مختلفة.
رأى فريدريك نيتشه أن الألم ليس عارضًا على الحياة، بل شرطًا لاكتمالها. لا يكتشف الإنسان طاقاته الحقيقية في أوقات الراحة، بل عندما يواجه الشدائد. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: “ما لا يقتلك يجعلك أقوى.” لكنها لم تكن دعوة إلى تمجيد المعاناة بقدر ما كانت تأكيدًا على أن الشخصية لا تُصنع في أوقات اليسر، بل في لحظات الامتحان.
الرواقيون مثل سينيكا وإبيكتيتوس وماركوس أوريليوس نقلوا مركز الثقل من الحدث إلى النفس. ما يؤذي الإنسان، في نظرهم، ليس الألم ذاته، بل الحكم الذي يصدره عليه. فالأحداث تقع خارج إرادتنا، بينما طريقة استقبالها هي التي تحدد مقدار معاناتنا. لذلك كان الحكيم الرواحي يسعى إلى السيطرة على نفسه، لا على العالم، وإلى تهذيب نظرته للأشياء قبل محاولة تغيير الأشياء نفسها.
وأضافت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل بعدًا أكثر رهافة. فقد ميزت بين الألم العادي، وبين ما سمته “العذاب”، وهو ذلك الألم الذي يجرد الإنسان من أوهامه ويكسر غروره، حتى يصبح أكثر انفتاحًا على حقيقة تتجاوز ذاته. إنها لحظة يشعر فيها الإنسان بأنه فقد كل شيء، لكنه يكتشف، في الوقت نفسه، ما لا يمكن فقدانه.
ومن زاوية أخرى وصل الطبيب النفسي فيكتور فرانكل إلى نتيجة مشابهة. رأى أن الإنسان يستطيع احتمال أقسى الظروف إذا وجد معنى لمعاناته. الألم الذي يخلو من المعنى يتحول إلى عبء لا يطاق، أما الألم الذي يصبح جزءًا من رسالة أو غاية، فإنه يتحول إلى مصدر للقوة الداخلية.
رغم اختلاف هذه التقاليد الفكرية، فإنها تلتقي عند حقيقة واحدة: علاقة الإنسان بالألم ليست مجرد مسألة نفسية، بل تعبر عن نظرته إلى الحياة بأكملها. هناك من يرى في الألم نهاية الطريق، وهناك من يجعله بداية لفهم أعمق للذات. وهناك من يهرب منه بكل ما أوتي من قوة، وهناك من يواجهه بوصفه معلماً قاسيًا، لكنه صادق.
ولذلك فإن سؤال يونغر لا يتعلق بالألم وحده، بل بالهوية نفسها. كيف تواجه خساراتك؟ ماذا تفعل عندما تنهار توقعاتك؟ كيف تتعامل مع المرض، والفشل، والحرمان، والشيخوخة، والموت؟ إن إجابات هذه الأسئلة تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشف عنه سنوات النجاح والطمأنينة.
ليست البطولة في أن نتجنب الألم، فهذا مستحيل، ولا الحكمة في البحث عن المعاناة، فهذا وهم آخر. بل تكمن الإنسانية الحقة في أن نمنح آلامنا معنى، وأن نسمح لها بأن تنضج وعينا بدلاً من أن تحطم أرواحنا. حين يُفهم الألم على هذا النحو، لا يعود مجرد تجربة قاسية، بل يصبح مرآة يرى فيها الإنسان صورته الحقيقية، ويكتشف من خلالها مقدار ما يملكه من صبر، وحكمة، وقدرة على الاستمرار.
وبهذا يظل السؤال الذي طرحه يونغر مفتوحًا أمام كل إنسان: كيف تنظر إلى ما يؤلمك؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تكشف فقط كيف تعيش، بل تكشف أيضاً من تكون.