لفترة طويلة سادت فكرة أن الجهاز الهضمي يقتصر دوره على تكسير الطعام واستخلاص المغذيات، بينما يُعنى المخ بتنظيم المشاعر والسلوكيات والعمليات الفكرية. غيرت الأبحاث الأخيرة هذا المفهوم، كاشفةً عن شبكة معقدة من الإ{شارات} العصبية والكيميائية تتبادل
ما بين الأمعاء والدماغ.
ما يتجاوز الهضم: مكوّنات الجهاز الهضمي المتعددة
أظهرت الدراسات التي نُشرت خلال العقود الأخيرة أن الأمعاء لا تقتصر على وظيفة الهضم والامتصاص، بل تحتوي على نظام عصبي مستقل يُسمّى الجهاز العصبي المعوي، إلى جانب منظومة مناعية غنية، وخلايا صمّائية تنتج كميات هائلة من الهرمونات. كما تعجّ الأمعاء بتريليونات الكائنات الدقيقة التي تعيش فيها بصورة طبيعية.
يُعد الجهاز الهضمي أكبر مخزن للخلايا المناعية في الجسم، حيث تشكّل هذه الخلايا خط الدفاع الأول أمام الميكروبات التي قد تدخل عبر الطعام أو الشراب، وتتمكن من تمييز الكائنات الصديقة من الضارة، لتُطلق استجابات مناسبة تحافظ على سلامة النظم الحيوية.
في بطانة الأمعاء توجد خلايا صمّائية متخصصة تُفرز مجموعة من الهرمونات التي تنظم الشهية والهضم ومستوى سكر الدم، أبرزها GLP-1 وGIP وCCK. هذه الهرمونات لا تقتصر تأثيراتها على القناة الهضمية فحسب، بل تؤثر في وظائف متعددة داخل الجسم.
يمتاز السطح الداخلي للأمعاء بامتداد واسع نتيجة للزغابات والزغيبات، لتصل مساحته إلى عشرات الأمتار المربعة، وهو ما يضمن كفاءة عالية في امتصاص المغذيات، متجاوزًا التصورات القديمة التي كانت تقارن حجمه بملعب رياضي.
يُدير الجهاز العصبي المعوي، الذي يضم ما بين مئتي إلى ستمئة مليون خلية عصبية، معظم الأنشطة داخل القناة الهضمية من حركة وإفرازات وتدفق دموي، مع قدرة شبه مستقلة على القيام بهذه المهام، إلا أنه يبقى على اتصال دائم بالمخ عبر شبكة معقدة من الأعصاب والمواد الكيميائية.
وبهذا السبب أطلق عالم الأعصاب الأمريكي مايكل غيرشون على هذا الجهاز وصف «الدماغ الثاني»، إشارة إلى تعقيده وقدرته على تنظيم وظائف هضمية متكاملة، دون الإيحاء بأنه يفكر أو يحل محل المخ.
محور الدماغ–الأمعاء: طرق التواصل المتعددة
يتجسد هذا التواصل في ما يُعرف{محور الدماغ–الأمعاء}، نظام يعتمد على إشارات عصبية، هرمونية، مناعية، بالإضافة إلى نواتج الميكروبات المعوية. يُعَد العصب المبهم أحد أهم القنوات التي تنقل الإشارات في الاتجاهين بين المخ والأمعاء، إلى جانب.






