عاجل
الأربعاء، 7 أكتوبر 2026٢٤ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـالرياض 18°C

الجزيرة العربية: ذاكرة مائية مختبئة تحت الرمال

07/10/2026 21:02

مناخ متغير عبر الملايين من السنين

تغيرت صورة الجزيرة العربية عبر العصور، فلم تكن الصحراء التي نراها اليوم ثابتة دائمًا. دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature عام 2025 أظهرت أن وسط الجزيرة شهد فترات رطبة متكررة امتدت نحو ثمانية ملايين سنة، توافرت خلالها المياه والغطاء النباتي وعاشت فيها كائنات تعتمد على الماء مثل التمساح وفرس النهر.

آثار مائية مدفونة تحت الرمال

حتى الربع الخالي، الذي يُصنف اليوم كأحد أشد بقاع الأرض جفافًا، يحفظ سجلًا مختلفًا تمامًا. أعادت دراسة حديثة بناء مشهد قديم هناك وكشفت عن وجود بحيرات وأنهار، منها منخفض مائي بلغت مساحته نحو 1100 كيلومتر مربع امتلأ بالمياه ثم فاض وشق واديًا يبلغ طوله حوالي 150 كيلومترًا.

وعمقًا تحت الرمال، كشفت تقنيات الأقمار الصناعية والرادار في السعودية عن مجاري مائية قديمة مطمورة لا تنتمي إلى شبكة الأودية الحالية، كانت تحمل المياه قبل أن تغمرها الرواسب والرمال، وكأن الصحراء لم تفقد الماء تمامًا بل احتفظت بذاكرته في أعماقها.

الدلالات الدينية والتاريخية

يظهر في الحديث النبوي الصحيح: «حتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا». واستخدام كلمة «تعود» يستدعي حالة سابقة، وهو ما يتماشى مع ما تكشفه الجيولوجيا من أن الجزيرة عرفت عصورًا رطبة متكررة. ولا يعني ذلك أن العلم يفسر الحديث مباشرةً، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للتأمل.

كما أن عودة الماء قديماً تعني عودة الحياة؛ فقد أظهرت الأبحاث أن الفترات الرطبة فتحت ممرات للحيوان والإنسان بين أفريقيا وآسى، فظهرت الجزيرة في أزمنة مختلفة كجسر للحياة وليس كحاجز صحراوي.

وصف الجزيرة بأنها «محفوظة» لا ينبغي فهمه على أنها خارج قوانين الطبيعة؛ فالزلازل والجفاف والتحولات المناخية سنن كونية لا تستثني مكانًا. لكن لهذه الأرض خصوصيتها الدينية والتاريخية والجغرافية؛ ففي قلبها الحرمان الشريفان، وعلى أرضها انطلقت الرسالة، وفي باطنها سجل مائي عجيب يدل على أن الجفاف الذي نراه ليس القصة كاملة.

وفي قصة الغلام الواردة في صحيح مسلم، في سيرة اخدود نجران، ورد أن رجال الملك حملوه في سفينة إلى وسط البحر، وهي ثابتة من حيث الرواية؛ لكن الاستدلال منها على أن البحر كان ملاصقًا لنجران يحتاج إلى احتراز، embora لا يمنع ذلك.

كما يستوقفنا قول الله تعالى في قصة سبأ: «وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير»، إذ ذكر المفسرون قرى متواصلة ومسالك عامرة بين اليمن والشام تتوافر فيها المياه والثمار والأمن. هذه الصورة التاريخية للجزيرة وجنوبها تكشف بيئة وحركة بشرية لا تختزل في الصحراء بصورتها المعاصرة.

إذن الجزيرة العربية ليست صحراء بلا ذاكرة؛ إنها تخفي تحت رمالها أنهارًا، وفي صخورها تاريخًا، وفي نصوص الوحي وعدًا يستحق التأمل. ويبقى الحفظ الحقيقي مرتبطًا بالإنسان نفسه: «لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ».