الزيارة الأولى للدولة منذ تأسيس الاتحاد
يترأس رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان زيارة دولة إلى ألمانيا، وهي أول زيارة رسمية من هذا النوع منذ قيام الاتحاد عام 1971. تُبرز الزيارة مكانة الإمارات كأهم شريك تجاري عربي لألمانيا وكشريك استراتيجي لها.
بعد الأرقام: شراكة تتجاوز التجارة
وفقاً للبيانات، يبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين 16 مليار دولار، بينما تصل الاستثمارات الإماراتية في قطاعي الطاقة والصناعة الألمان إلى 21 مليار دولار. من أبرز هذه الاستثمارات صفقة استحواذ شركة إكس آر جي الإماراتية على عملاق الكيماويات الألماني كوفاسترو، مع خطة لرفع سقف الاستثمارات إلى 35 مليار دولار خلال العقد القادم.
تخدم الإمارات بوابة لنحو ألفي شركة ألمانية للوصول إلى أسواق الخليج وآسيا وإفريقيا، وتستمر العلاقات الثنائية منذ 54 عاماً. تتصدر أجندة الزيارة ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية، والتعاون الاقتصادي، وتتلقى ترحيباً واسعاً في ألمانيا يعكس نهج أبوظبي في توسيع شبكة شراكاتها شرقاً وغرباً.
الثقة والقرار الاستراتيجي المستقل
في حديثه لبرنامج “بزنس مع لبنى” على سكاي نيوز عربية، أوضح حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة البيان الإماراتية، أن الزيارة تتجاوز الجانب البروتوكولي وتدل على تحول في العلاقات العربية الأوروبية من حاجة إلى المعرفة والدعم إلى شراكة مبنية على ملفات اقتصادية وتكنولوجية واستثمارية.
يشير بن كرم إلى أن ألمانيا تمثل أحد أكبر اقتصادات أوروبا وركيزة أساسية في محيطها القاري، بفضل قوتها العاملة المتخصصة وقدراتها في التطوير التكنولوجي وتصدير التقنية ومراكز الأبحاث. يرى أن الانتقال من الاحتياج الأحادي إلى الشراكة المتكافئة يمنح الزيارة بعداً استراتيجياً أعمق.
يرى أن أهمية الزيارة لا تقتصر على حجم التبادل التجاري أو عدد الشركات والرحلات والسياح، بل تشمل منهجية الإمارات في بناء شراكاتها والاستفادة من تراكم علاقاتها الدولية. يتوقع أن تحمل الزيارة نتائج ذات “عمق كبير”, وربما يُعلن عن إنشاء مجلس تنسيقي تجاري رفيع المستوى يوفر إطاراً مؤسساً لمتابعة المشروعات والفرص الاستثمارية المشتركة.
وبحسب بن كرم، لم تعد الإمارات مجرد مستثمر في قطاع الذكاء الاصطناعي، بل أصبحت شريكاً في صناعة التكنولوجيا وتطبيقاتها الاقتصادية والحكومية، مستشهداً بتصريحات نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حول استخدام الذكاء الاصطناعي في أتمتة الخدمات الحكومية، معتبراً أن هذا المسار يمكن أن يكون مجالاً مهماً للتعاون مع ألمانيا.
يضيف أن الشراكات الإماراتية القائمة مع الولايات المتحدة وفرنسا تقدم نموذجاً للقيمة التي يمكن لألمانيا تحقيقها من التعاون مع أبوظبي، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق والتقنيات المتقدمة. ويشير إلى أن فرص التعاون تمتد إلى قطاع الطاقة المتجددة، نظراً لاحتياج أنظمة الذكاء الاصطناعي لكميات كبيرة من الطاقة، مستحضراً دور الإمارات منذ استضافة مؤتمر المناخ “كوب 28” في دبي وحضور شركة “مصدر” كلاعب رئيسي في مشروعات الطاقة النظيفة التي تدعم توجهات أوروبا نحو الاقتصاد الأخضر وخفض الانبعاثات الكربونية.
في سياق التحديات اللوجستية المرتبطة بمضيق هرمز، يوضح بن كرم أن ميناء جبل علي بات جزءاً من شبكة لوجستية ترتبط بموانئ الفجيرة وخورفكان، ما يعزز قدرة الإمارات على التعامل مع حركة التجارة والطاقة في المنطقة. ويبين أن جبل علي لم يعد مجرد ميناء للشحن، بل تحول إلى مركز لوجستي محوري يخدم الخليج والشرق الأوسط ويربطهما بالأسواق الدولية، مما يمنح الإمارات موقعاً مهماً في حسابات الشركات الألمانية سواء للصادرات الموجهة إلى أسواق الخليج أو لحركة التجارة عبر المنطقة، مما يجعل الملف اللوجستي مرشحاً لأن يكون جزءاً من مباحثات الزيارة.
ويعتبر بن كرم أن رصيد الثقة الذي بنته الإمارات مع الدول التي تجمعها بها شراكات اقتصادية وسياسية وعسكرية يمثل أحد أبرز أصول سياستها الخارجية، وتظهر قيمته بصورة أكبر في أوقات الأزمات التي تواجهها أوروبا من حيث إمدادات الطاقة والجوانب الاجتماعية والاقتصادية. ويضيف أن الإمارات نجحت في الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند وروسيا، ما يمنحها القدرة على التواصل مع أطراف دولية متعددة.
ويربط هذا الرصيد بمبدأ “القرار الاستراتيجي المستقل” في السياسة الخارجية الإماراتية، موضحاً أن الدولة تتحرك دولياً وفق منهجية تقوم على المص económicas ومصالح الشعوب والبحث عن نقاط الاتفاق وتفهم مواضع الاختلاف. ويضيف أن وضوح هذا النهج وثباته يعززان ثقة الشركاء في القرارات الإماراتية ويساعدان الدولة على بناء اقتصاد متوازن وتنمي ومستدام.
يخلص إلى أن الوقوف على مسافة متوازنة من القوى الدولية يخدم مصالح الإمارات ويمنح سياستها الخارجية وضوحاً أمام شركائها، وفي مقدمتهم ألمانيا، التي تسعى الزيارة إلى نقل علاقاتها مع أبوظبي إلى مرحلة أكثر شمولا وتأثيراً.






