عاجل
٢٧ صفر ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 12 أغسطس 2026
الرياض +15°C

الذكاء الاصطناعي يقتحم صناعة الدراما الآسيوية من كتابة السيناريو إلى الإنتاج الكامل

12/08/2026 07:10

يشهد قطاع الدراما والترفيه في آسيا تسارعاً ملحوظاً في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوزت حدود المهام المساعدة لتصل إلى مراحل متقدمة من الإنتاج، بدءاً من كتابة النصوص وتصميم الشخصيات وصولاً إلى إنجاز أعمال كاملة دون تدخل بشري مباشر في معظم خطواتها.

وتعتمد الصين والهند وإندونيسيا بشكل متزايد على هذه التقنيات بهدف خفض التكاليف وتسريع وتيرة الإنتاج، في وقت يثير هذا التوجه تساؤلات حول مستقبل الإبداع البشري وجودة الأعمال الفنية.

قدرات متطورة وإنتاج ضخم

أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة اليوم على أداء مهام كانت حكراً على الكتّاب والمخرجين والمصممين وفنيي المونتاج، إذ يمكنها كتابة السيناريوهات، وابتكار الشخصيات، وإنتاج الأصوات، وتجميع المشاهد وإخراجها في وقت قياسي. وتستثمر شركات إعلامية آسيوية هذه القدرات لزيادة الإنتاج وتقليل النفقات، خاصة مع ارتفاع الطلب على المحتوى الرقمي المخصص للهواتف الذكية ومنصات البث.

في الصين، أكبر أسواق المحتوى الرقمي عالمياً، يشهد قطاع المسلسلات القصيرة نمواً متسارعاً، حيث تتراوح مدة الحلقة بين دقيقتين وخمس دقائق، وهي صيغة تحظى بإقبال واسع من مستخدمي الهواتف المحمولة. ووفقاً لمنصة “هيلو تشاينا تك” (Hello China Tech) المتخصصة في تحليل قطاع التكنولوجيا، نُشر في الصين خلال يناير 2026 أكثر من 14 ألفًا و600 مسلسل قصير مدعوم بالذكاء الاصطناعي، بينما ارتفع إجمالي عدد هذه الأعمال المتداولة إلى نحو 127 ألفًا و800 مسلسل بحلول فبراير من العام نفسه.

تجارب رائدة في إندونيسيا والهند

في إندونيسيا، دخل الذكاء الاصطناعي مجال الإنتاج التلفزيوني عبر مسلسل “ليجيندا برتواه” (Legenda Bertuah)، المستوحى من الأساطير الشعبية المحلية، والذي يُعد أول عمل تلفزيوني في البلاد يُنتج بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. أما في الهند، فتطور مجموعة “جيو ستار” (JioStar) الإعلامية أعمالاً تتولى فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي جميع مراحل الإنتاج، من كتابة النصوص إلى تصميم الشخصيات والأداء الصوتي والمونتاج. وأطلقت الشركة في عام 2025 مسلسلاً من 100 حلقة يعيد تقديم ملحمة “المهابهاراتا” الهندية بأسلوب يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وحقق في يوم عرضه الأول نحو 6.5 ملايين مشاهدة.

تحديات فنية ونقد مستمر

رغم التقدم الكبير، لا تزال الأعمال المنتجة بالذكاء الاصطناعي تواجه انتقادات من الجمهور والمتخصصين، الذين يرون أنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى الإنتاج التقليدي من حيث الواقعية والعمق الدرامي. ففي المسلسل الهندي “ماهابهارات: إك دارمايوده” (Mahabharat: Ek Dharmayudh)، ورغم الإبهار البصري في مشاهد المعارك والبيئات الأسطورية، تظهر مشكلات تتعلق باستمرار حركة الشخصيات، وتناسق نظراتها، والحفاظ على هيئة الجسم بين اللقطات. كما لوحظت في المسلسل الإندونيسي “ليجيندا برتواه” صعوبة في نقل تعبيرات الوجه وحركات الجسد بصورة طبيعية في بعض المشاهد.

وتشمل أبرز الملاحظات المتكررة محدودية التعبير العاطفي مقارنة بأداء الممثلين الحقيقيين، إلى جانب تغيرات مفاجئة في شكل اليدين أو الوجه أو الأطراف، وعدم التزامن الكامل بين حركة الشفاه والكلام. وتظهر أيضاً اختلافات طفيفة في الملابس أو تصفيف الشعر أو الإكسسوارات عند انتقال الكاميرا بين الزوايا المختلفة، إضافة إلى تباين توزيع الضوء والظلال، أو تكرار الحركات نفسها بين الشخصيات في خلفية المشهد. ورغم أن هذه الأخطاء تصبح أقل وضوحاً في الحلقات اللاحقة مع تطور المعالجة، فإنها لا تزال تشكل أحد أبرز التحديات أمام الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الدرامي.

نحو ديمقراطية الإنتاج الإبداعي

ترى أستاذة الذكاء الاصطناعي والثقافة الرقمية في جامعة أوتريخت الهولندية، بايال أرورا، أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في إحداث تحول ديمقراطي داخل صناعة المحتوى، عبر إتاحة أدوات الإنتاج أمام شرائح أوسع من المجتمع. وقالت أرورا، في حديث مع الأناضول، إن الثقافة أصبحت تمثل أحد أشكال رأس المال، وإن إتاحة الأدوات الإبداعية أمام الجميع يمكن أن تفتح الباب أمام أنماط جديدة من المشاركة وفرص اقتصادية لم تكن متاحة سابقاً. وأضافت أن هذا التحول يبدو واضحاً في اقتصاد مقاطع الفيديو القصيرة سريع النمو في الصين، وكذلك في التجارب الهندية الخاصة بإنتاج الأفلام باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث بات بإمكان أفراد عاديين إنتاج محتوى يستهدف جمهوراً ظل لفترة طويلة خارج اهتمام وسائل الإعلام التقليدية.

وأشارت أرورا إلى أن النظرة إلى الذكاء الاصطناعي تختلف بين الولايات المتحدة وآسيا؛ ففي هوليوود تتركز المخاوف على تأثير هذه التقنيات في الإبداع البشري وفرص العاملين في الصناعة، بينما تنظر إليها دول مثل الصين والهند باعتبارها أداة تتيح لعدد أكبر من المبدعين تحويل أفكارهم إلى أعمال فنية والوصول إلى جمهور أوسع. ورغم استمرار الجدل حول تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل السينما، لفتت أرورا أن التطور السريع لهذه التقنيات يسهم في تقليص الأخطاء الفنية تدريجياً، وهي مرشحة لأن تصبح عنصراً رئيسياً في عمليات إنتاج المحتوى خلال السنوات المقبلة، مع بقاء دور الإبداع البشري عاملاً حاسماً في جودة الأعمال وتميزها.