عاجل
٢٦ صفر ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 11 أغسطس 2026
الرياض +13°C

القوة التنفيذية لسند الإيجار: هل يجب أن تبقى بلا حدود زمنية؟

11/08/2026 01:08

الأصل في المنازعات أن تُعرض على القضاء الموضوعي، حيث يُستمع إلى الخصوم وتُمحص الوقائع وتُوزن الأدلة قبل إصدار الحكم. غير أن السند التنفيذي يشكل استثناءً بارزاً من هذا المسار، إذ يتيح لصاحب الحق الانتقال مباشرة إلى مرحلة التنفيذ دون الاضطرار إلى الحصول على حكم قضائي جديد يثبت أصل الحق. ويقوم هذا الاستثناء على منطق واضح: فحين يكون الحق ظاهراً ومحدداً ومستقراً، لا تكون هناك حاجة لإلزام صاحبه بخوض معركة قضائية لإثبات ما يكفي السند نفسه لإثباته.

استثناء مرتبط بعلته

لكن هذا الاستثناء يظل مربوطاً بالعلة التي بررت وجوده، وهنا تبرز المسألة المحورية. فعقد الإيجار الموحد حصل على قوته التنفيذية لتحقيق غاية مشروعة ومهمة، وهي سرعة استيفاء الحقوق الناشئة عنه، ومن بينها استرداد العين المؤجرة عند انتهاء العلاقة الإيجارية. ومع ذلك، فإن بقاء هذه القوة التنفيذية بعد انتهاء العقد دون تحديد زمني يثير سؤالاً مختلفاً عن أصل استحقاقها لهذه القوة: إلى متى يظل السند المنتهي معبراً عن واقع العلاقة التي يُراد التنفيذ عليها؟

الزمن ليس مجرد أرقام

فالزمن في العلاقات القانونية ليس مجرد أرقام تتغير في التقويم. فقد يستمر المستأجر في الانتفاع بالعين، وقد يقبل المؤجر أجرة لاحقة، وقد تنشأ مراسلات أو اتفاقات أو تصرفات جديدة، وقد تتغير طبيعة العلاقة بين الطرفين على نحو يجعل الواقع القائم عند طلب التنفيذ مختلفاً عن الواقع الذي كان قائماً لحظة انتهاء العقد. وفي هذه الحالة، لا تعود المسألة دائماً بهذه البساطة: عقد انتهى، فعقار يجب إخلاؤه. بل قد يصبح السؤال: ماذا حدث بعد انتهاء العقد؟

وهذا سؤال مختلف تماماً، لأنه ينقل النزاع من مجرد تنفيذ ما هو ثابت إلى بحث ما استجد، ومن ظاهر السند إلى حقيقة العلاقة، ومن إجراء تنفيذي سريع إلى خصومة قد تحتاج بطبيعتها إلى سماع دفوع ووزن أدلة وتحديد الأثر القانوني لوقائع لاحقة.

التمييز بين بقاء الحق وبقاء القوة التنفيذية

ومن هنا ينبغي الفصل بين أمرين كثيراً ما يختلطان: بقاء الحق، وبقاء القوة التنفيذية. فالحق مسألة موضوعية، أما القوة التنفيذية فهي وسيلة إجرائية استثنائية قررها المنظم لاقتضاء ذلك الحق دون المرور ابتداء بالقضاء الموضوعي. ولذلك لا يلزم من بقاء الحق أن تبقى الوسيلة الاستثنائية لاقتضائه ملازمة له إلى غير نهاية.

وهذا التفريق لا ينتقص من حق المؤجر، ولا يمنح المستأجر حصانة من الوفاء بالتزاماته، ولا يسقط حقاً ثابتاً بمضي مدة لم يقررها النظام. المسألة أبسط وأدق من ذلك: متى يفقد الطريق الاستثنائي مبرره، ويعود النزاع إلى طريقه القضائي الطبيعي؟

استقرار المعاملات يتطلب حدوداً واضحة

استقرار المعاملات لا يتحقق فقط بسرعة اقتضاء الحقوق، وإنما يتحقق أيضاً باستقرار المراكز القانونية وعدم إبقاء الوسائل الاستثنائية معلقة فوقها زمناً غير محدود. فكما يحتاج صاحب الحق إلى طريق فعال لاقتضائه، يحتاج النظام القانوني ذاته إلى حدود واضحة تفصل بين ما يصلح للتنفيذ المباشر وما أصبح، بفعل الوقائع اللاحقة، محتاجاً إلى حكم القضاء الموضوعي.

ولهذا تستحق المسألة دراسة تنظيمية جادة لوضع حد زمني معقول لمباشرة القوة التنفيذية المتعلقة بالإخلاء بعد انتهاء عقد الإيجار. فإذا انقضت تلك المدة دون مباشرة التنفيذ، فلا يسقط حق المؤجر، ولا يفقد مطالبته الموضوعية، وإنما ينتهي الامتياز الإجرائي المتمثل في التنفيذ المباشر، ويعود النزاع -عند قيامه- إلى القضاء المختص للفصل فيه.

وقد يبدو الفرق دقيقاً، لكنه في ميزان العدالة كبير. فثمة فارق بين أن نقول لصاحب الحق: لقد سقط حقك، وبين أن نقول له: حقك باقٍ، ولكن الوقائع والزمن أبعدا النزاع عن الحالة البسيطة التي من أجلها مُنحت طريقاً استثنائياً لاقتضائه. الأولى تمس الحق ذاته، أما الثانية فتنظم وسيلة اقتضائه.

السؤال المفتوح: إلى متى؟

وهنا تكمن المسألة كلها، فالتنظيم الجيد لا يحدد متى تنشأ الحقوق فحسب، بل يحدد كذلك حدود الوسائل الاستثنائية المقررة لحمايتها. وكلما كانت الوسيلة أشد اختصاراً للطريق القضائي المعتاد، كانت الحاجة أكبر إلى ضبط نطاقها وغرضها وحدودها. ولذلك، ربما لم يعد السؤال الذي يستحق النقاش: هل يستحق عقد الإيجار الموحد أن يكون سنداً تنفيذياً؟ لقد أجاب المنظم عن ذلك.

السؤال الذي لا يزال مفتوحاً هو: إلى متى؟ فقد يبقى الحق، وقد تبقى المطالبة، وقد يبقى باب القضاء مفتوحاً؛ أما الطريق الاستثنائي إلى التنفيذ، فلا ينبغي أن يكون خالداً.