بعد نحو عشرة أعوام من الإفراج عنه من سجون نظام بشار الأسد، عاد المواطن الأمريكي كيفن باتريك دوز إلى دمشق في أكتوبر/تشرين الأول 2026، حاملاً هدفاً واحداً: جمع أدلة تمكنه من تقديم المسؤولين عن تعذيبه والانتهاكات التي شهدها إلى المحاكمة.
عودة إلى معتقل سابق
في مقابلة مع وكالة الأناضول، أوضح دوز أنه عاد إلى سجنه القديم بعد سقوط نظام الأسد (الذي حكم من 2000 إلى 2024). وقال: “أبحث عن أدلة للعثور على من ارتكبوا كل تلك الأفعال المروعة داخل السجن وتقديمهم للمحاكمة”. وأضاف أن زيارته تهدف أيضاً إلى المساعدة في التعرف على هويات ضحايا دفنوا في مقابر جماعية، والعمل على إعادة رفاتهم إلى ذويهم.
كان دوز قد دخل سوريا في عام 2012 حاملاً شحنة من المستلزمات الطبية، قاصداً إيصالها إلى مناطق القتال لتخفيف معاناة الشعب السوري في مواجهة نظام بشار الأسد. لكن قوات النظام أوقفته في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2012، بعد وقت قصير من عبوره الحدود، ونقلته إلى مركز احتجاز، حيث مكث نحو ثلاث سنوات ونصف. ويعتقد دوز أنه احتُجز في الفرع 248 بدمشق.
تفاصيل التعذيب والمشاهد المروعة
وصف دوز تعذيبه بالتفصيل، قائلاً: “تعرضت للإغراق والضرب والتشويه، فقدت جزءاً كبيراً من قدمي اليمنى، وما زلت أواجه صعوبة في المشي”. وأضاف أنه أصيب بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الكلام لفترة، ولا يزال يعاني نوبات من الحبسة الكلامية عند التعرض للضغط. وتابع: “أخذوا مني جميع البطانيات، ووضعوني في زنزانة شديدة البرودة، وقيدوني بسلاسل إلى القضبان لمدة أسبوع وربما أكثر”. وشمل التعذيب الضرب المتكرر على القدمين والحرمان من الطعام، مما أدى إلى انخفاض وزنه إلى نحو 36 كيلوغراماً. وقال: “كانوا يجوعونني، كان الطعام قليلاً ثم تناقص تدريجياً، وكنت أحصل أحياناً على خبز سبق لشخص آخر أن أكل جزءاً منه”. وأضاف أنه كان يسرق الطعام من القمامة في الحمام، خصوصاً ما كان الحراس يتركونه بعد تناول وجباتهم.
ومن بين المشاهد التي لا تزال تطارده، روى دوز: “عذبوا طفلين حتى الموت أمام عيني، كانا ربما في الثامنة أو العاشرة”. وأوضح أن أحد الطفلين كان يستيقظ صارخاً وباكياً، معتقداً أنه في منزله، وعندما يكتشف أنه داخل السجن يبدأ بالصراخ. وأشار إلى أن أحد الحراس كان يتعامل مع الطفل بطريقة توحي باللطف، حيث كانوا يلعبون معه ويكلفونه بأعمال صغيرة ليكسبوا ثقته، ثم يخرجونه في اليوم التالي من زنزانته ويعذبونه مجدداً. وتوقف دوز عن سماع صوت الطفل في ديسمبر/كانون الأول 2013، وظن في البداية أنه أُفرج عنه. لكنه علم بعد إطلاق سراحه، عندما اطلع على الصور المعروفة باسم “صور قيصر” التي توثق جثث معتقلين بسجون النظام السابق، أن الطفل قُتل بعدما تعرض للتجويع والتعذيب. وأضاف: “علمت أنه جُوّع حتى أصبح هيكلاً عظمياً، وأن عينيه أُحرقتا”.
وشدد دوز على أن “مئات، إن لم يكن آلاف السوريين، مروا عبر تلك الممرات والبوابات (من المعتقل) إلى قبورهم”. وأضاف أن أعداد الجثث بلغت حداً دفع القائمين على المعتقل إلى تكديسها داخل أكياس على سطح أحد المباني. وأوضح أن هذه المشاهد تدفعه إلى البحث عن أدلة قد تساعد في تحديد هويات الضحايا وأماكن دفنهم، مؤكداً استعداده للمساعدة في التعرف على مواقع المقابر الجماعية ورفات المفقودين، بما يتيح للعائلات معرفة مصير أبنائها.
دور الطبيب البريطاني عباس خان
وكشف دوز عن علاقته بالطبيب البريطاني عباس خان، الذي قُتل في أحد معتقلات دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2013. وكان خان جراح عظام اعتقلته أجهزة نظام الأسد في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 أثناء تطوعه لعلاج الجرحى في مدينة حلب شمال سوريا. وقال دوز إن عباس كان محتجزاً في زنزانة قريبة من زنزانته، وإنهما تواصلا بالصراخ من تحت الأبواب. وأضاف: “أبرمنا اتفاقاً بأن مَن يصل إلى الغرب أولاً، عليه أن يخبر العالم بأن الآخر حي ومحتجز”. وتمكن عباس، عبر والدته التي نجحت في العثور عليه وزيارته، من إيصال معلومات عن احتجاز دوز إلى خارج سوريا، وفقاً لدوز. وتابع أن المعلومات ساعدت في كشف مكانه لدى الجهات الأمريكية التي عملت لاحقاً على إطلاق سراحه. واعتبر دوز أن عباس ساهم في إنقاذ حياته، مؤكداً امتنانه لما فعله رغم أن عباس لم ينج.
وفي 16 ديسمبر/كانون الأول 2013، أبلغت أجهزة النظام السابق عائلة عباس بأنه انتحر أثناء احتجازه، لكن تحقيقاً قضائياً بريطانياً خلص في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2014 إلى أنه كان ضحية “قتل غير مشروع”.
ووفق دوز، فإنه كان يجري لقاءات مع ممثل دبلوماسي تشيكي يتولى رعاية المصالح الأمريكية في سوريا، بالتزامن مع استمرار استجوابه من أجهزة النظام السابق. وقال إن المحققين كانوا يمتلكون تسجيلات لمحادثات أجراها أصدقاؤه وأفراد عائلته في الولايات المتحدة. وأضاف أنه قرر خلال إحدى المكالمات المجازفة بكشف معلومات قد تساعد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي) في تحديد هوية أشخاص مرتبطين بتلك التسجيلات. وتابع: “أمسكت الهاتف وبدأت أصرخ بأسماء ومعلومات واقتباسات تكفي لمساعدة مكتب التحقيقات الفيدرالي على تحديد مواقعهم”. وبحسب دوز، توقفت بعدها اللقاءات الدبلوماسية والمساعدات الغذائية التي كانت تصله، وأُعيد لفترة قصيرة إلى التعذيب. وأضاف أنه بعد أشهر، أُخرج من زنزانته دون إبلاغه بوجهته. “اعتقدت أنهم سيأخذونني لتنفيذ حكم الإعدام، لكنهم سلموني في المطار إلى رجال قالوا إنهم من القوات الخاصة الروسية”، وفق دوز. وأوضح أنه نُقل من دمشق على متن رحلات جوية وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين. وأردف أنه وصل في النهاية إلى موسكو، ونُقل إلى مبنى علم لاحقاً أنه تابع لوزارة الخارجية الروسية. وتابع: “كنت أعتقد أنني ما زلت في سوريا وسيضربونني مجدداً عند وصولي إلى سجن مثل صيدنايا أو عدرا”. لكنه فوجئ بوصول مسؤولين أمريكيين لتسلمه، ونقله إلى السفارة الأمريكية في موسكو، حيث تلقى رعاية طبية عاجلة. وأوضح أنه نُقل بعدها إلى قاعدة عسكرية أمريكية في ألمانيا لاستكمال علاجه، قبل عودته إلى الولايات المتحدة.
وفي 8 أبريل/نيسان 2016، أكدت الخارجية الأمريكية إطلاق سراح مواطن أمريكي كان محتجزاً لدى السلطات السورية، مشيدة بجهود روسيا وتشيكيا في تسهيل الإفراج عنه. ولم تعلن الوزارة آنذاك الاسم لأسباب تتعلق بالخصوصية، لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا لوسائل إعلام أن المفرج عنه هو دوز.
الآثار المستمرة والعدالة الانتقالية
بعد سنوات، لا يزال دوز يعاني آثار الإصابات التي تعرض لها في المعتقل، ومنها فقدان جزء من قدمه اليمنى وصعوبات الحركة والكلام. ورغم ذلك، قال: “أشعر أنني محظوظ لأن لدي رؤية فريدة لحملة الاضطهاد التي شنها الأسد ضد شعبه في سوريا، وهي رؤية لم تتح لكثيرين”. وتأتي عودة دوز إلى سوريا في ظل مسار للعدالة الانتقالية بدأته السلطات السورية الجديدة، إذ أُحدثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب مرسوم رئاسي في مايو/أيار 2025، لكشف الحقيقة بشأن انتهاكات النظام السابق ومساءلة المسؤولين عنها. ويأمل دوز أن تساهم شهادته وما يمكن جمعه من أدلة داخل مراكز الاحتجاز السابقة في تحديد المسؤولين عن الجرائم، وكشف مصير الضحايا وإنصاف عائلاتهم. وقال: “لن نتمكن من منع تكرار هذه الفظائع ما لم نفهم لماذا حدثت، وما الذي جعل مثل هذه الأفعال ممكنة”.






