عاجل
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 20°C

اعتداءات الحوثيين على السعودية تكشف المواقف: تضامن رسمي وأصوات متشفية

27/10/2026 01:02

الأزمات الكبرى لا تقف عند حدود اختبار قدرة الدول على حماية أمنها وسيادتها، بل تتجاوزها إلى كشف صدق المواقف وثبات المبادئ وأخلاقيات الكلمة. والاعتداءات الآثمة التي تشنها المليشيا الحوثية الإرهابية على المملكة العربية السعودية تكشف مشهداً يمتد من الصواريخ والمسيّرات إلى فضاء إعلامي ورقمي تتداخل فيه الحقيقة بالتضليل، ويتقاطع التضامن مع التخاذل، وتتحول الخلافات السياسية إلى شماتة. وهكذا تصبح بعض المواقف كاشفة لأصحابها، كما تكشف الأحداث حجم التحديات.

تضامن رسمي وإدانة دولية

مواقف رسمية عبّرت عن التضامن مع المملكة وإدانة الاعتداءات عليها، وصولاً إلى البيان الرئاسي لمجلس الأمن الدولي الصادر في 15 أكتوبر، الذي أدان استمرار الهجمات الحوثية وتصاعدها، بما فيها استهداف الأعيان المدنية والمطارات ومنشآت الطاقة. وتؤكد هذه المواقف أن خطر الاعتداءات يتجاوز حدود المملكة ليطال أمن المنطقة وسلامة الملاحة الدولية.

أصوات الشماتة واختبار الأخلاق

في المقابل، برزت أصوات تجاوزت حدود الاختلاف إلى التهكم والتشفّي، وتعاملت مع استهداف المدنيين بوصفه فرصة لتصفية الحسابات وإشباع الخصومات. وهنا يتحول السؤال إلى اختبار أخلاقي قبل أن يكون سياسياً: متى صار الاختلاف مع دولة مبرراً للشماتة بالأبرياء؟ وأي قيمة تبقى لشعارات العدالة والإنسانية إذا تغيّرت معايير أصحابها بتغيّر هوية المستهدف؟

لم تكن المملكة يوماً في حاجة إلى استجداء التضامن أو استعارة الإرادة من الآخرين؛ فهي دولة واعية بمكانتها، مستقلة في قرارها، مدركة لتبعات مسؤولياتها. غير أن المحن تظهر الفارق بين من يتمسك بالمبادئ اقتناعاً، ومن يستحضرها بشكل انتقائي وفق المصالح والأهواء. ومع كل ذلك، يبقى الإنصاف مطلوباً؛ فلا يجوز أن تحجب الأصوات الشاذة المواقف الرسمية المسؤولة، ولا أن تتحمل الشعوب وزر خطاب لا يعبّر عنها؛ فما بين الدول من علاقات يتجاوز في عمقه التغريدات العابرة، ويمتد أبعد من سجالات لحظية.

التضليل وتعطيل مصادر التهديد

وتصبح خطورة هذا الخطاب أشد حين يمتزج بالتضليل؛ إذ تُقتطع المشاهد من سياقاتها، وتنتشر الأخبار دون تحقق، وتُبتَر التصريحات، وتُضخَّم الشائعات بهدف بث القلق والتشكيك.

وفي هذا السياق، تأتي إعلانات تحالف دعم الشرعية في اليمن عن تدمير منصات لإطلاق الصواريخ الباليستية، بينها منصات رُصد استخدامها في إطلاق صواريخ باتجاه المملكة. وتشكل هذه العمليات نموذجاً عملياً لاستهداف مصادر التهديد وقدرات الاعتداء. فالتوثيق الدقيق للاعتداءات، وكشف شبكات الإمداد، وقطع طرق وصول السلاح، كلها عناصر متكاملة لمعالجة الخطر. وكانت بريطانيا قد أكدت أمام مجلس الأمن أن استمرار تدفق الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يمنحهم القدرة على مواصلة هجماتهم، وشددت على ضرورة الامتثال لقرارات المجلس.

الوعي الوطني يعني القدرة على قراءة الأحداث بروية، واستيعاب المواقف، وبناء الثقة على أساس الحقائق. ومن متطلباته ألا نسلّم للمتشفين زمام خطابنا، ولا ندع الشائعات تستنزف انتباهنا؛ فمسؤولية القول تتعاظم مع تسارع الأحداث، ويغدو التثبت عملاً يسهم في حماية المجتمع والحفاظ على تماسكه.

وستظل السعودية، بما تملكه من تاريخ ومكانة ومؤسسات قوية، تحمي أمنها بقوتها، وتصون سيادتها بحكمة قيادتها، وتردع المعتدي بقرارها. فمن اتخذ الشماتة موقفاً فقد كشف حقيقته، ومن جعل المسؤولية نهجاً فقد أثبت مكانته. وتبقى للسعودية مكانتها التي تحفظها بالأفعال، وتؤكدها المواقف.