يطرح أستاذ جامعي متخصص في الإحصاء وبحوث العمليات رؤية نقدية حول معايير الجودة في التعليم الصحي، معتبراً أن الخطأ في هذا المجال لا يصلح كما يصلح خطأ المهندس أو المحاسب، لأنه يمس روحاً بشرية لا تعوض. ويؤكد الكاتب أن ضمان جودة التعليم الطبي وطب الأسنان والمهن الصحية ليس خياراً تنظيماً، بل التزام مجتمعي قائم على ثلاث ركائز لا يجوز المساس بها: تشديد القبول، وكفاءة من يعلم ويدرب، واكتمال بيئة التدريب.
الركيزة الأولى: تشديد قبول الطلاب
يرى الكاتب أن جودة الخريج تبدأ من جودة من يُقبل في الكلية. ويستند في ذلك إلى تجربته الشخصية في تدريس طلاب الطب، حيث لاحظ أن تميز العديد منهم يعود إلى الانتقاء الدقيق وليس الصدفة. ويشدد على ضرورة المحافظة على المعدلات المرتفعة في التعليم العام، خاصة الثانوية، كشرط أساسي للقبول، إلى جانب معايير موضوعية تقيس الاستعداد والقدرات والسمات المهنية. ويحذر من تحويل القبول إلى بوابة كمية تتسع بازدياد الطلب، بل يجب أن يبقى مصفاة نوعية، معتبراً أن تخفيض المعدلات لاستيعاب أعداد أكبر هو تنازل عن الركيزة الأولى.
الركيزة الثانية: جودة المدرسين والمدربين
لا يكفي تميز الطالب إذا لم يكن من يقوم بتدريبه مؤهلاً للمهمة. ويفرق الكاتب بين نوعين من المهام في التعليم الصحي: التدريب السريري المباشر الذي يحتاج إلى كفاءة وخبرة سريرية مثبتة، بغض النظر عن الدرجة العلمية، وبناء العقل العلمي الذي يتطلب تكويناً بحثياً عميقاً، حيث يتفوق حامل الدكتوراه الممارس صحياً الذي يجمع بين البحث والممارسة. ويضرب مثالاً بطبيب أسنان ماهر يمارس فعلياً قد يكون مدرباً أفضل ممن يحمل درجة أعلى لكنه ابتعد عن العيادة. ويحذر من الخطر حين تصبح الشهادات بديلاً عن التحقق من الكفاءة الفعلية، مؤكداً أن لكل نوع من المهام موضعه المناسب.
الركيزة الثالثة: بيئة تدريب حقيقية لا غنى عنها
يعتبر الكاتب أن أرقى طالب وأكفأ معلم لا يصبحان ممارساً كفؤاً من دون مريض حقيقي وحالة حقيقية تحت إشراف منظم. ويشير إلى أن المستشفى التعليمي ليس مرفقاً إضافياً، بل ركيزة لا تعوض بالمحاكاة وحدها أو المقرر النظري. ويستشهد بتجارب دول متقدمة: في الولايات المتحدة تشترط هيئة الاعتماد (LCME) اتفاقيات مكتوبة مع المستشفيات وتوفر أعداد كافية من المرضى. وفي بريطانيا ينظم المجلس الطبي العام (GMC) التدريب بمعايير تجعل سلامة المريض أولوية أولى وتشترط مشرفاً سريرياً مؤهلاً لكل طالب. أما في ألمانيا، فيحكم التكوين نظام الترخيص الاتحادي الذي يتضمن سنة عملية كاملة في المستشفى، ولا يُعترف بمستشفى جامعي إلا إذا ضمن الربط بين رعاية المرضى والبحث والتعليم. ويخلص إلى أن الخيط الجامع بين هذه النماذج هو اشتراط مرضى حقيقيين وإشراف سريري مؤهل وارتباط رسمي بمواقع التدريب وخضوعها للتقييم وأولوية مطلقة لسلامة المريض.
الوضع في السعودية ودروس من المنطقة
يذكر الكاتب أن المنظومة السعودية حاضرة ومتكاملة، إذ يوجد اعتماد أكاديمي إلزامي عبر المركز الوطني للتقويم والاعتماد الأكاديمي (NCAAA)، وإطار وطني لمخرجات تعليم الطب (SaudiMED)، وترخيص عبر الهيئة السعودية للتخصصات الصحية. كما أن المستشفى التعليمي شرط عملي راسخ، فالكليات الحكومية مرتبطة بمستشفياتها الجامعية، وبعض الكليات الأهلية بنت مستشفياتها التعليمية الخاصة. ويشير إلى أن نقابة الأطباء في مصر ربطت قيد الخريجين بامتلاك الكلية مستشفى تعليمياً مستوفياً للاشتراطات، ولوحت بعدم الاعتراف بخريجي الكليات غير المكتملة. ويرى الكاتب أن هذه الاشتراطات خطوط حمراء لا يجوز المساومة عليها عند أول ضغط للتوسع أو العائد، متسائلاً عما إذا كان التوسع في إنشاء كليات الطب والتمريض في جامعات لا تمتلك مستشفيات تعليمية يقوده الاحتياج الصحي المدروس أم اعتبارات العرض والطلب. ويختتم بتأكيد أن نجاح الجامعة في التعليم الصحي لا يقاس بعدد المقبولين أو الخريجين، بل بكفاءة خريجيها علمياً ومهنياً وأخلاقياً، وأن تقارير الهيئة السعودية للتخصصات الصحية عن أداء الكليات في اختبار الرخصة تظهر تفاوتاً بين الجامعات، مما يذكر بأن جودة المخرجات تقاس لا تمنح. ويشدد على أن العامل الحاسم هو توافر بيئة تدريب حقيقية يقوم عليها مستشفى تعليمي، فحيثما اكتملت هذه البيئة ارتقت الكفاءة، وحيثما غابت لم تغن عنها شهادة أو مبنى.






