عاجل
الإثنين، 19 أكتوبر 2026٧ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 17°C

لماذا تختلف قراءات الحرارة في نفس الظهيرة؟

19/10/2026 23:03

السيارة والقراءات المتفاوتة

في ظهيرة حارة بحي من أحياء الرياض، كان أنا وزميلي نتجه كل منا إلى سيارته تحت شمسٍ حارقة. سألته عن درجة الحرارة التي يشير إليها حساس سيارته، فأجاب «42». عندما نظرت إلى شاشة سيارتي ظهر الرقم «47». فتحنا تطبيق الطقس على الهاتف فظهر لنا «44». رغم أننا نقف في نفس المكان ونفس الوقت، وبفارق أمتار قليلة بين السيارتين، حصلنا على ثلاث قراءات مختلفة لظهيرة واحدة.

السبب يعود إلى أن حساس السيارة يقيس الحرارة التي يتأثر بها سطح الأسفلت، ومكان الوقوف، ومدة التوقف، وحركة الهواء حوله، بينما يستقي تطبيق الطقس بياناته من محطات رصد أوسع نطاقاً. لذا فإن كل أداة تلتقط جزءاً من الجو وفق موقعها الخاص، فتظهر أرقام متفاوتة رغم أن الظهيرة واحدة.

الحساسات التي تحيط بنا

في حياتنا اليومية عشرات من «الحساسات» التي تعطينا صوراً عن الواقع، لكنها جميعاً تعتمد على مكان القياس ومن شلمه ومن بقي خارجه. فهناك استطلاعات الرأي، واستبانات الرضا، وصناديق الشكاوى، ومؤشرات الأداء، وعينات البحث، وتقييمات الطلاب، وأرقام المبيعات، وتعليقات المستخدمين على الإنترنت، وحتى الحديث الذي يدور في المجالس. كل منها يعطينا قراءةً جزئيةً تعتمد على من تمّ استطلاعه ومن غاب عن العينة.

من القياس إلى القرار

حتى الحديث في المجالس يُظهر كيف يمكن للكلمة الواحدة أن تُفهم بطرق مختلفة: واحد يسمعها كعفوية، وآخر يراها تلميحاً، وثالث يضيف إليها نية لم يُصرّح بها المتكلم. الكلمة واحدة لكن الحساسات ثلاث، فنستقبل الكلام من خلال فهمنا وتفسيرنا وما نعتقده من نوايا.

في المتجر، تقيس استبانة الرضا فقط من أكملوا عملية الشراء، بينما يغادر الزبائن الغاضبون قبل أن يُسألوا، فتبدو نسبة الرضا مرتفعةً رغم أن غير الراضين لم يُضمَّنوا في القياس. وفي المدرسة أو الجامعة، يجيب الحضور عن تجربتهم بينما تكشف المقاعد الفارغة عن آراء مختلفة لم تُسْأل. وعلى الطريق، تُظهر الكاميرا أمامها حركةً انسيابيةً، بينما يبدأ الازدحام بعد زاوية الكاميرا ببضعة أمتار؛ الطريق واحد لكن الكاميرا رأت الجزء الذي أمامها فقط.

على المنصات الإلكترونية، تُسجَّل آلاف العمليات الناجحة بينما تتلقى قنوات الدعم بلاغات من المستخدمين الذين تعثروا قبل إتمام العملية؛ النظام يحسب من وصل فقط، فيتجاهل من تعثر في منتصف الطريق. وفي المؤسسات، تُظهر المؤشرات نسب إنجازٍ مرتفعةً بينما تتكرر لدى المستفيدين مشاكل لم تُدرج أصلاً في المقياس؛ المؤشر رأى الإنجاز ولم ير التعثر.

ووسائل التواصل الاجتماعي تعمل كـ«حساس ضخم»: أصوات قليلة لكن عالية الحضور تُوحي بأنها تمثل الجميع، بينما تبقى أصوات أخرى خارج الشاشة؛ الظهور يقيس من حضر في المشهد لا عدد من يمثله، وارتفاع الصوت يقيس شدته لا عدد أصحابه.

السؤال الذي يبقى

تتحول المسألة إلى جدية عندما يصبح الرقم قاعدةً لاتخاذ قرارٍ يؤثر على الجميع. إذا انطلقت القراءة من عينة محدودة أو سؤال ضيق أو زاوية واحدة، قد يُبنى عليها قرارٌ يعمّ المجتمع، فتتسع الفجوة بين ما قيسه الحساس وما يُطبَّق على الكل.

نعود إلى الأرقام 42 و47 و44 التي التقطت كل منها جانباً من ظهيرة واحدة. يحدث نفس الظاهرة خارج السيارة: جهة تقيس من زاوية، ومستفيد يراها من زاوية أخرى، وصورة أوسع تجمع ما تفرق بينها. لذلك قبل أن نسأل «ماذا يقول الرقم؟» يصبح السؤال الأهم: «كيف وصل إلينا؟ أين وضعنا الحساس؟ ماذا قاس؟ ومن شمل قياسه؟»