عاجل
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 20°C

مراجعة ضوابط السجن والتوقيف: دعوة لتحقيق توازن بين الحزم والاعتبارات الإنسانية

27/10/2026 01:02

تقوم فلسفة العدالة على حماية المجتمع وصيانة الحقوق، ولا تكتمل حكمتها إلا حين توازن بين الحزم في تطبيق القانون ومراعاة الظروف الإنسانية للأفراد. وفي هذا السياق، تبرز أهمية مراجعة الأحكام المنظمة لنظام السجن والتوقيف، وتطوير الضوابط المرتبطة بقرار النائب العام رقم (1) لعام 1442هـ وتعديلاته، والمتعلقة بالجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف، بهدف الحد من الأضرار التي يمكن تجنبها دون المساس بأمن المجتمع أو حقوق الضحايا.

التمييز بين التوقيف والسجن: أسس العدالة

يقوم هذا الطرح على التمييز الأساسي بين التوقيف قبل الحكم والسجن المحكوم به. فالتوقيف إجراء احترازي تخضع له ضوابط نظامية، وليس عقوبة أو دليلاً على الإدانة. أما السجن فيرتبط بتنفيذ الجزاء وتحقيق أهداف الإصلاح والتقويم والتأهيل. وفي كلا الحالتين، تستحق الآثار الصحية والنفسية والأسرية والتعليمية المترتبة على الاحتجاز تقديراً يوازن بين الضرورة الإجرائية والضرر الواقع على الإنسان.

الدراسة الإنسانية: أداة لتقدير الآثار

يقترح أن يبدأ هذا التقدير منذ مرحلة التحقيق، من خلال إتاحة دراسة إنسانية رسمية عند الحاجة، يُعدها مختصون محايدون بناءً على تقارير طبية ونفسية واجتماعية ووثائق تعليمية. وينبغي أن تتناول الدراسة حالة من يعولهم المتهم، والآثار المتوقعة للتوقيف، وإمكانية مواصلة العلاج والتعليم، مع التحقق من المعلومات وتحديثها عند تغير الظروف، وإرفاقها بملف الدعوى عند إحالتها إلى المحكمة؛ لتكون أمام القاضي صورة موثقة إلى جانب الوقائع والأدلة، دون أن تُتخذ دليلاً على الإدانة.

ويُقترح تعريف المتهم بإمكانية طلب هذه الدراسة باعتبارها إجراءً مقترحاً، وتوثيق علمه بتوقيعه، على غرار التعريف بالحقوق الواردة في المادة (22) من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية. ويظل الإفصاح اختيارياً، ولا يُعد التوقيع اعترافاً أو تنازلاً، مع إثبات الامتناع وصون سرية المعلومات وإتاحة مناقشتها أمام الجهة المختصة.

حالات خاصة: المرض، الأسرة، التعليم

تتصدر الحالات المرضية هذه الاعتبارات؛ فالأمراض المزمنة والخطيرة قد تتطلب علاجاً منتظماً، وتزيد الضغوط النفسية واضطرابات النوم من معاناة المريض. كما يستحق كبار السن فوق الستين، والحامل والمرضعة، تقييماً فردياً يراعي صحتهم واحتياجات الطفل، دون أن تُعتبر هذه الظروف مبرراً تلقائياً للإفراج.

ويمتد الضرر إلى الأسرة حين يكون الموقوف عائلها الوحيد؛ فقد تفقد دخلها ورعاية أطفالها وكبار سنها، ويواجه الأبناء قلقاً يمس أمانهم وتحصيلهم الدراسي. وبما أن المسؤولية الجزائية شخصية، ينبغي التحقق من الإعالة عبر دراسة اجتماعية والنظر في البدائل المشروعة التي تحد من الضرر دون تعريض المجتمع أو التحقيق للخطر.

وللطالب الجامعي اعتبار خاص؛ فقد يسبب التوقيف أو السجن انقطاع الدراسة وتعثر التخرج والعمل. ويُقترح التنسيق مع الجامعات لإتاحة التعلم والاختبارات حيثما أمكن، وتنظيم التأجيل وإعادة القيد، ومعالجة الغياب الناشئ عن الاحتجاز وفق الضوابط الأكاديمية، حفاظاً على تعليمه ومستقبله.

الخروج الإنساني ومسار التوصيات

وتظهر قيمة الدراسة عند نظر الدعوى؛ فالمادة (214) من نظام الإجراءات الجزائية تجيز للمحكمة تأجيل تنفيذ الحكم لأسباب جوهرية، كما تجيز وقف تنفيذ السجن التعزيري في الحق العام وفق اعتبارات تشمل السن والماضي والظروف الشخصية وظروف الجريمة. ويساعد التقرير المحكمة على ممارسة سلطتها بمعلومات موثقة دون إلزامها بنتيجته.

وتحتاج حالات المرض الحرج أو وفاة قريب حتى الدرجة الثالثة إلى تطوير ضوابط الخروج الإنساني المؤقت للموقوف أو السجين، للزيارة أو حضور الصلاة والدفن والعزاء، بإذن الجهة المختصة ومدة محددة وحراسة عند الحاجة؛ فلحظة الوداع لا تتكرر، دون إسقاط المسؤولية أو إغفال مخاطر الخروج.

ولتنفيذ ذلك، يُقترح مسار إلكتروني عاجل، تتولى من خلاله لجان متخصصة دراسة الحالات الإنسانية، ورفع توصياتها إلى الجهات صاحبة الصلاحية، مع تحديث التقارير عند الحاجة. وتظل جسامة الجريمة، والسوابق ذات الصلة، وسلوك المتهم المثبت والمرتبط بتقدير المخاطر، واحتمال الهرب أو التأثير في التحقيق، وسلامة الضحايا والمجتمع، معايير أساسية عند النظر في الحالات، مع تسبيب القرارات وإمكانية مراجعتها. ومتى تعذر الإفراج، بقيت الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والتعليمية واجباً قائماً.

إن روح النظام تتجلى في حزم يحمي المجتمع وحكمة تراعي ظروف الإنسان؛ فالعدالة الراسخة لا تكتفي بمشروعية الإجراء، وإنما تحد من آثاره الممكن تجنبها، وتصون الأسرة والمستقبل، وتبقي أبواب الإصلاح مفتوحة.