عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +17°C

مونديال 2026: عندما يصبح الهاتف أداة لتغيير القرارات

13/07/2026 11:02

في السياسة قاعدةٌ قديمة تقول إن القوة لا تُقاس بما يُخفيه الفاعل، بل بما يُصرّح به أمام الجميع. وقدّم مونديال 2026 مثالاً واضحاً على هذه القاعدة عندما اتصل أقوى زعيم بالعالم برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم طالباً مراجعة عقوبة مفروضة على لاعب من منتخبه، فتمّ إلغاء العقوبة، ثم أعلن المتصل علناً بأنه قد صّرح “ظلماً كبيراً”، بينما اعتبر المتلقي أن الشرح غير ضروري، مشيراً إلى أن “الحديث مع الرؤساء، كما قال، من طبيعة عمله\).

التدخل السياسي ومكالمات الرؤساء

لم يُبدِ أحد شكوكاً في صحة الرواية لأن أطرافها هم من روّروها. والسخرية تكمن في أن الهيئة التي استخدمت الهاتف لتغيير القرار كانت قد أوقفت في السابق اتحاداتٍ قاريةً كاملة من أفريقيا وآسيا تحت تهمة “التدخل الحكومي\). يبدو أن هذا المفهوم يُعرّف في دوائر المنظمات الدولية بأنه جريمة تُقاس بجواز السفر: محظورة على دول الجنوب، مسموحة لمن يحملون المفاتيح. وقبل أشهر من المكالمة، كان رئيس الهيئة قد اخترع جائزة سلام غير موجودة في لائحته، بهدف إهدائها إلى ضيفٍ فاته نسخة الجائزة الأصلية في أوسلو. عندما تُصنع الجوائز على المقاس، يتحول سؤال استقلالية القرار من جدالٍ مثير إلى بديهٍ واضح.

البعد المالي والتجاري للبطولة

السياسة ليست اللاعب الوحيد في هذه الحكاية؛ فالصمت المالي يلعب دوراً مهماً. بطولة تدرّ عشرات المليارات من حقوق البث والرعاية لا تتعامل مع نجومها كمجرد رياضيين، بل كأصول تجارية تُستغل في الحملات الإعلانية وتُباع بها المساحات الدعائية. احتفاظ الأسماء الكبيرة بالمراكز المتقدمة ليس مجرد شوق جماهيري بريء، بل مصلحة مالية مباشرة لشبكة كاملة من المحطات والشركات الراعية. لا حاجة لنظرية مؤامرة للقلق من هذا التقاطع؛ يكفي فهم كيفية عمل رأس المال عندما يجلس بجانب صانع القرار في نفس المقصورة.

التعامل مع الجماهير واللغة في الملاعب

ما حدث داخل الملاعب لم يكن منفصلاً عما جرى عند البوابات. منتخبات من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية واجهت تفتيشاً دقيقاً ووجود كلاب شرطة، صور انتشرت عالمياً وأحرجت الدولة المستضيفة أكثر من ضيوفها. لم يُذكر أن أي كلب بوليسي اقترب من أمتعة منتخب أوروبي كبير. وتجاوزت الاستضافة ذلك حين قررت أن جماهير دولة مشاركة بأكملها غير مرغوب فيها على أراضيها، فَلعب فريق في بطولة العالم بينما بقي شعبه خلف الباب. حتى الإسبانية، لغة دولة مشاركة في التنظيم ولسان مئات الملايين، وجدت نفسها مقيدة في المؤتمرات الرسمية دون مبرر يتناسب مع منظمة تدّعي أنها تعمل بسبع لغات.

دروس النزاهة والمستقبل

ثم جاءت ليلة القاهرة. مصر كانت على بعد دقائق من إقصاء حامل اللقب وأيقونته الأغلى من الناحية التسويقية في تاريخ اللعبة، قبل أن يتحول مجرى المباراة بقرارات تحكيمية دفعت الاتحاد المصري لتقديم شكوى رسمية، وقاد المدرب للحديث عن ما أسماه “حماية تسويقية للنجوم\). الإنصاف يفرض الاعتراف بأنه لا يوجد دليل على تدبير مسبق، وأن الغضب وحده لا يشكل قضية. لكن الإنصاف يتطلب أيضاً طرح السؤال العكسي: من جعل الشكّ معقولاً؟ نظام أثبت في نفس الأسبوع أنه يستجيب لمكالمات الرؤساء، وبالتالي لا يملك الحق في طلب حسن الظن من الخاسرين. الثقة ليست ديناً يُفرض على المتضررين، بل التزام يقع على العتاة، وقد تنكروا له بأنفسهم.

اللافت أن الشكاوى لم تقتصر على اللهجة الجنوبية. في ربع النهائي вышла النرويج، ومواطنيها يرددون العبارة التي سمعناها بالعربية قبل أيام: “سُرقنا\). عندما يلتقي غضب القاهرة وغضب أوسلو على نفس المعنى، نكون قد تجاوزنا باب المؤامرة إلى ما هو أخطر: انهيار افتراض النزاهة الذي تقوم عليه اللعبة بأكملها. يمكن دحض المؤامرات، لكن الثقة المهدورة لا تُرمم ببيان لجنة حكام يقسم أعضاؤه فيه. إن قراراتهم تُعتبر فوق التأثير، في الأسبوع الذي ثبت عكسه بمكالمة هاتفية واحدة.

قد يُساءل: إنها كرة قدم في النهاية، فلماذا هذا التضخيم؟ والجواب أن البطولة التي يتابعها نصف سكان الأرض ليست تسليةً على هامش العالم، بل مرآته الصادقة. في هذا الصيف عكست المرآة ما نعرفه مسبقاً عن السياسة والاقتصاد: قانون يُطبق بصرامة على الضعيف ويُعاد تفسيره للقوي، وأبواب تُفتح وتغلق وفقاً لجواز السفر، واعتبار الاعتراض تشكيكاً حين يصدر من الجنوب ونقاشاً مشروعاً حين يأتي من الشمال. ما يميز هذه المرة هو أن كل ذلك جرى على مسرح مضاء أمام مليارات المتابعين.

ولا يُتوقع من الجنوب أن يكتفي بدور الشاهد الجريح. الاتحادات التي تستحوذ اليوم على أغلبية عددية في الجمعية العمومية للعبة تستطيع، إذا اتحدت كلمتها، أن تتجاوز مجرد الشكوى: يمكنها المطالبة بشفافية تعيين الحكام في المباريات الحرجة، بنشر حيثيات القرارات الحاسمة، وبقواعد واضحة تفصل بين منطقة الضيوف الكبار وغرفة اتخاذ القرار. التاريخ يعلّمنا أن المؤسسات الدولية لا تصلح نفسها طوعاً، بل عندما يصبح بقاؤها على الوضع الحالي مكلفاً للغاية. سيرفع أحدهم الكأس بعد أيام، وستُطوى البطولة كما تُطوى سابقاتها. لكن درسها سيظل أطول أمداً من نتائجها: في زماننا، من يمتلك الهاتف يمتلك الصافرة. ومع ذلك، للتاريخ عادة لا يتخلى عن تسجيل من يرفع الكأس ومن يرفع السماعة على حد سواء.