عاجل
٢ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

في زمن الرقمنة.. الخطاط السوري فرج أرشين يصر على إبقاء روح الحرف حية

13/08/2026 07:25

في مرسمه المتواضع بحي ركن الدين الدمشقي العريق، يمضي الخطاط السوري فرج أرشين في مسيرته الفنية التي انطلقت منذ أكثر من أربعة عقود، ممسكاً بريشته وقلمه ليحافظ على جمال الحرف العربي في مواجهة زحف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

شغف منذ الطفولة.. ومسار احترافي بدأ في الثمانينيات

بدأ شغف أرشين بالخط العربي في طفولته المبكرة، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى مسيرة احترافية في العام 1980. ومنذ ذلك الحين، كرّس حياته لممارسة هذا الفن العريق وتعليمه للأجيال الجديدة. وفي حوار مع وكالة الأناضول، أوضح أرشين أنه اعتمد في بداياته على الملاحظة الدقيقة، وقراءة الكتب والمقالات المتخصصة، ومتابعة البرامج التلفزيونية ذات الصلة، في وقت كانت فيه مصادر تعلم الخط محدودة مقارنة بما هو متوفر اليوم. وأضاف: “حرصت دائماً على تعلم هذا الفن الخالد وتعليمه، لأنني أؤمن بأنه جزء من هويتنا الثقافية والحضارية”.

واليوم، لا يقتصر عمل أرشين على إنجاز اللوحات الخطية بمختلف المدارس الخطية فحسب، بل يمتد ليشمل تدريب الشباب الراغبين في تعلم هذا الإرث الفني، انطلاقاً من قناعته الراسخة بأن استمرار الخط العربي مرهون بنقله إلى الأجيال المقبلة.

الخط العربي.. جمال هندسي وروح إنسانية

يعد الخط العربي أحد أعرق الفنون الإسلامية، حيث ارتبط عبر قرون طويلة بكتابة المصحف الشريف وتزيين المساجد والقصور والمخطوطات، قبل أن يتحول إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها تجمع بين الدقة الهندسية والجمال البصري والأبعاد الروحية. ويرى أرشين أن التطور التقني أسهم في تراجع الاعتماد على الكتابة اليدوية، ودفع الكثيرين إلى استخدام البرامج الحاسوبية في تصميم الأعمال الخطية. لكنه يعتقد أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكنها أن تحل محل اللمسة الإنسانية التي تمنح العمل الفني خصوصيته. وقال: “يمكن للحاسوب أن ينتج عملاً فنياً، لكنه لا يمنحه الروح. أما عندما يكتب الخطاط بيده، فإنك تشعر بروح تسري في الحروف وفي العمل بأكمله”.

ويؤكد أرشين أن جمال الخط العربي لا ينحصر في دقة الحروف فحسب، بل في العلاقة الفريدة التي تنشأ بين الخطاط وأدواته أثناء الكتابة، وهي علاقة لا يمكن استنساخها بواسطة البرامج الرقمية بأي حال من الأحوال.

محطات مضيئة في مسيرة حافلة بالإنجازات

خلال مسيرته الفنية، شارك أرشين في عدد من المسابقات والمعارض المحلية والدولية، محققاً نتائج بارزة. ففي العامين 2001 و2004 مثّل سوريا في مسابقات نظمها مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (إرسيكا) التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، كما حصل على المركز الثالث في مسابقة للخط العربي أقيمت في المملكة العربية السعودية. وفي العام 2023، نال المركز الأول في إحدى مسابقات الخط العربي التي استضافتها دولة الإمارات العربية المتحدة. كما كرّمته جامعة دمشق في العام 2016 بمنحه درعاً تقديراً لجهوده في تعليم الخط العربي لطلبة الجامعة، وهي تجربة يصفها بأنها واحدة من أكثر المحطات التي يعتز بها في مسيرته.

دمشق.. عاصمة الحرف والتراث

ويشير أرشين إلى أن دمشق احتضنت عبر تاريخها الطويل عدداً كبيراً من الخطاطين والفنانين، وأن آثار هذا الفن لا تزال واضحة في شوارع المدينة القديمة، وعلى واجهات المباني التاريخية والمساجد والمدارس والأسواق. ويضيف أن الزخارف الخطية التي تزين العمارة الدمشقية تمثل شاهداً حياً على تعاقب الحضارات التي مرت بالمدينة، وأسهمت في إثراء فنونها، مؤكداً أن الخط العربي كان ولا يزال عنصراً أساسياً في إضفاء الجمال والأناقة على العمارة الإسلامية.

ويحرص أرشين على إبقاء قلمه وأدواته إلى جانبه في جميع الأوقات، استعداداً للرسم أو التدريس. ويعرب عن سعادته بتزايد اهتمام الشباب بتعلم الخط العربي، رغم هيمنة الوسائط الرقمية على حياتهم اليومية. لكنه يرى أن إتقان هذا الفن يتطلب من الجيل الجديد قدراً أكبر من الصبر والإرادة، لأن تعلمه يحتاج إلى سنوات من التدريب والمثابرة. وقال: “من يختار طريق الخط العربي ينبغي أن يتحلى بالصبر والإرادة وحب التعلم، فالرغبة الحقيقية في التعلم هي التي تقود الإنسان إلى تحقيق أهدافه”.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الحفاظ على الخط العربي لا يقتصر على صون فن جميل فحسب، بل يمتد إلى حماية جزء أصيل من التراث الثقافي السوري والعربي والإسلامي، مشدداً على أن نقل هذا الإرث إلى الأجيال المقبلة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الفنانين والمؤسسات الثقافية على حد سواء.