جذور القلق الأوروبي من موسكو
في ظل تصاعد التهديدات الروسية بعد هجمات أوكرانية بالمسيّرات استهدفت أكثر من مئة سفينة ومنشأة نفطية داخل الأراضي الروسية، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين أن الرد سيكون “أقوى بأضعاف مضاعفة\). وفي المقابل تسعى أوروبا لتشكيل تحالف صاروخي جديد، بينما تتهم موسكو حلفاء كييف بإعاقة جهود السلام. أشار الباحث السياسي هلال العبيدي في برنامج “التاسعة” على سكاي نيوز عربية إلى أن هذه التهديدات ليست مستجدة، بل وصفها بأنها “حقيقة تعوّدنا عليها” حتى قبل اندلاع الحرب على أوكرانيا، لافتاً إلى وجود تدخلات هجينة متكررة استهدفت دولاً أوروبية، بما في ذلك التدخل في العمليات الانتخابية. وربط ذلك باختلاف جوهري بين النهج الديمقراطي الأوروبي والحكم الدكتاتوري في Mosca، معتبراً أن هذا “التباين بين النهج الديمقراطي الأوروبي والحكم الدكتاتوري في موسكو” هو ما يولّد الأزمة، مؤكداً أن لا أحد يسسعى إلى التدخل في اختيارات الشعب الروسي نفسه. وأوضح أن الخطر يركز بشكل خاص على دول أوروبا الشرقية التي تحمل “ذاكرة أليمة” من عقود الحكم السوفيتي، حيث فقد كثيرون مواردهم وبشرهم وتعرض شعوبهم للنفي إلى سيبيريا، مشيراً إلى أن هذه الدول تعيش اليوم “خوفاً ورعباً” حقيقياً من احتمال عودة نمط الحكم الدكتاتوري السوفيتي إلى أراضيها.
أوكرانيا كمختبر للتقنية المسيّرة
انتقل العبيدي إلى تحوّل جوهري في المشهد العسكري، معتبراً أن أوكرانيا باتت “مختبر أوروبا للمسيّرات” في حرب دخلت عامها الخامس. لفت إلى نجاحات أوكرانية في الوصول إلى العمق الروسي، حيث تقطع الطائرات المسيّرة مسافات تصل إلى 2500 كيلومتر لضرب مصافٍ نفطية، وليس ذلك عشوائياً بل يركّز على استهداف وحدات التقطير تحديداً، وهي وحدات يصعب إعادة بنائها. وأوضح أن هذا التكتيك يعكس تحولاً في أسلوب المواجهة، إذ باتت أوكرانيا تعطّل قدرات الجيش الروسي بدلاً من الدخول في مواجهات مباشرة معه، سواء على المستوى اللوجستي عبر ضرب الوقود ودعم الجهد العسكري، أو على المستوى الاقتصادي عبر تقليص الأموال المتحققة من تصدير المواد الخام لهذه المصافي. ولفت إلى أن التأثير أصبح ملموساً، مستشهداً بخفض توقعات الوكالة الدولية للطاقة لإنتاج روسيا من الطاقة لعام 2027.
أوروبا والتهديد النووي ومسار السلام
في ما يخص التهديدات النووية، بيّن العبيدي أن “هذا الشيء ليس خفياً على قادة دول الاتحاد الأوروبي”، مذكراً بـ”تهديدات مدفيديف المتكررة حول استخدام السلاح النووي\). واستشهد بتصريح المفوض العام للاتحاد الأوروبي قبل يومين من أن “لا يمكن تهديد حلف بمليار شخص يعيشون من كندا إلى أمريكا إلى الاتحاد الأوروبي”, مضيفاً أن “حلف كبير ولديه إمكانيات كبيرة وروسيا لا تشكل تهديداً”, ومشيراً إلى أن “عندما يتم التعرض إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي فيتم تفعيل المادة الخامسة\). وفي قراءة لمسار التفاوض، رأى العبيدي أن من حق أوكرانيا الدفاع عن نفسها ما دام مدنها مستهدفة، منتقداً القناعة الأوروبية السائدة بأن الضغط على موسكو سيدفعها في النهاية إلى تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات. وأوضح أن أوكرانيا قدّمت بالفعل تنازلات عبر الوساطة الأميركية، إلا أن روسيا اعتبرتها غير كافية. وشدد على أن السلام المنشود يجب أن يكون “مستديماً” لا “مؤقتاً لالتقاط الأنفاس” تليه عودة العمليات العسكرية بعد شهر أو شهرين، ما يستوجب تقديم موسكو تنازلات موازية تتعلق بالتفاهم مع أوكرانيا حول حقوقها المشروعة التي كفلها القانون الدولي، مؤكداً أن أوكرانيا ليست الطرف المعتدي، بل روسيا هي التي ضمّت شبه جزيرة القرم وإقليم دونباس.
تكتيك يستهدف اللوجستيات والطاقة
ختم العبيدي تحليله بربط تحوّل أسلوب المعارك من المواجهة المباشرة إلى استهداف القدرات اللوجستية والطاقية، بما في ذلك الضربات في بحر آزوف والبحر الأسود واستهداف الناقلات، بهدفين رئيسيين: تخفيف الخسائر البشرية من الجانبين، وضرب قطاع الطاقة الروسي الذي يشكّل في آن واحد جهداً لوجستياً عسكرياً وركيزة اقتصادية. وخلص إلى أن هذا المسار قد يدفع روسيا في نهاية المطاف نحو التفاوض بدلاً من اللجوء إلى الخيار النووي.






