عاجل
١٧ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 2 أغسطس 2026
الرياض +21°C

عقد على محاولة الانقلاب في تركيا.. ساعات حاسمة أنهت مخطط تنظيم غولن

15/07/2026 10:22

تمر اليوم الذكرى العاشرة للمحاولة الانقلابية التي شنها تنظيم غولن الإرهابي في 15 يوليو/تموز 2016، والتي تمكنت مؤسسات الدولة التركية والمواطنون من إفشالها في غضون 21 ساعة تقريباً.

جذور التنظيم ومسار التغلغل

انطلق التنظيم تحت غطاء ديني منذ ستينيات القرن الماضي في مدينة إزمير غربي تركيا، وعمل على التسلل إلى مؤسسات الدولة، أبرزها القوات المسلحة، بهدف الوصول إلى الإطاحة بالحكومة المنتخبة بالقوة. سبق له التورط في مخططات أخرى، منها استدعاء رئيس جهاز الاستخبارات آنذاك هاكان فيدان ومسؤولين آخرين للتحقيق، ومحاولة الانقلاب القضائي والأمني في 17 و25 ديسمبر/كانون الأول 2013، واعتراض شاحنات تابعة لجهاز الاستخبارات.

التحضير للانقلاب وتسريع الخطوات

بعد فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بنسبة 49%، أدرك التنظيم أن الحكومة تتجه لإقصاء الضباط المرتبطين به من الجيش. كما دفعت إجراءات نيابة إزمير لتوقيف عسكريين منتمين للتنظيم، بينهم جنرالات، قيادته إلى الإسراع في تنفيذ المخطط خوفاً من إبعاد المزيد من عناصرها عبر قرارات المجلس العسكري الأعلى.

في 19 مارس/آذار 2016، ظهر زعيم التنظيم فتح الله غولن مرتدياً جبة خاكية في خطاب اعتبرته السلطات دعوة لعناصره داخل الجيش للتحرك. ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2015، بدأ مسؤولون مدنيون في التنظيم زيارات إلى الولايات المتحدة للقاء غولن. وعُقدت اجتماعات التخطيط الأخيرة بين 6 و9 يوليو/تموز 2016 داخل فيلا في أنقرة برئاسة عادل أوكسوز، الموصوف بأنه “إمام القوات المسلحة” في التنظيم.

في 11 يوليو/تموز 2016، توجه أوكسوز وكمال باطماز، أحد أبرز القيادات المدنية السرية، إلى الولايات المتحدة لعرض الخطة على غولن، ثم عادا إلى تركيا في 13 من الشهر نفسه. واستخدم الانقلابيون لاحقاً قاعدة أقنجي الجوية مركزاً رئيسياً لإدارة المحاولة، وأُلقي القبض على عدد من المسؤولين المدنيين المشاركين في التخطيط داخل القاعدة. كان المقرر أن تبدأ المحاولة عند الساعة 03:00 فجر 16 يوليو/تموز 2016.

بلاغ استخباراتي يغير مسار الليلة

قبل ساعات من الموعد المحدد، أبلغ طيار برتبة رائد جهاز الاستخبارات بأن عناصر من التنظيم تخطط لاختطاف رئيس الجهاز هاكان فيدان. نقل فيدان المعلومات إلى نائب رئيس هيئة الأركان آنذاك يشار غولر، ثم وصلت التفاصيل إلى رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار، الذي اجتمع بفيدان لبحث البلاغ واتخاذ التدابير. أمر أكار بعودة الطائرات العسكرية إلى قواعدها، وإغلاق المجال الجوي أمام الرحلات العسكرية، ومنع خروج المدرعات من ثكنة إتيمسغوت، وحظر تحليق المروحيات.

عند وصول معلومات الاجتماع والإجراءات إلى قادة الانقلابيين، خافوا من انكشاف مخططهم فقرروا تقديم موعد التنفيذ إلى الساعة 20:30 من مساء 15 يوليو/تموز 2016. تحرك 33 عنصراً من القوات الخاصة نحو مقر رئاسة الأركان، واجتمع داخله محمد ديشلي وأورهان يقيليكان ومحمد بارتيغوتش ورمضان غوزال لتنسيق التحرك. عند الساعة 21:00، أبلغ ديشلي رئيس هيئة الأركان ببدء المحاولة لكنه فشل في إقناعه بالانضمام، فاحتجز الانقلابيون أكار داخل مكتبه.

التحرك الميداني وقصف البرلمان

أصدر الانقلابيون أوامر بخروج آليات عسكرية من ثكنة بولاتلي للسيطرة على مواقع حيوية في أنقرة، وأرسلوا عبر نظام “ميداس” أوامر التحرك وقائمة تعيينات لما سموه “الأحكام العرفية”، تلتها أوامر بالسيطرة على الطرق والمؤسسات العامة. عند الساعة 21:53، صدر أمر بعودة العسكريين خارج الثكنات إلى وحداتهم، فيما سيطرت مجموعات انقلابية على مركز تنسيق الكوارث والطوارئ في كاغيت خانه بإسطنبول. في مقر رئاسة الأركان، استشهد بولنت أيدن، مساعد ضابط حماية قائد القوات البرية، ليكون أول شهداء تلك الليلة.

بدأت مقاتلات إف-16 التحليق على ارتفاع منخفض فوق أنقرة، ونقلت وسائل الإعلام عند الساعة 22:28 أخبار التحركات العسكرية وإغلاق جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح في إسطنبول. عند الساعة 23:02، أكد رئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم في مداخلة تلفزيونية أن الحكومة المنتخبة ما زالت تمارس مهامها. بعد ثلاث دقائق، فتحت النيابة العامة في أنقرة أول تحقيق رسمي بشأن المحاولة. استهدفت طائرات الانقلابيين إدارة الطيران التابعة للشرطة وقيادة القوات الخاصة في غولباشي، وأطلقت مروحيات النار على مقر جهاز الاستخبارات. سيطر المقدم السابق أوميت كنجر على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، وأجبر إحدى المذيعات على تلاوة بيان الانقلاب.

عند الساعة 00:24 من فجر 16 يوليو/تموز، ظهر الرئيس رجب طيب أردوغان عبر قناة “سي إن إن تورك” ودعا المواطنين إلى النزول إلى الساحات والميادين للتصدي للمحاولة. بالتزامن، أطلق الانقلابيون النار على مواطنين تجمعوا أمام مقر قيادة الدرك، ما أسفر عن استشهاد 9 أشخاص وإصابة عشرات آخرين. عند الساعة 00:56، قصفت طائرة مقاتلة مديرية أمن أنقرة، ثم تعرضت للقصف مجدداً بعد نحو 10 دقائق. عند الساعة 01:13، وصلت إلى مطار إتيمسغوت طائرة تقل العميد الانقلابي سميح ترزي وكتيبة من القوات الخاصة بهدف السيطرة على مقر قيادة القوات الخاصة في غولباشي. تمكن قائد القوات الخاصة زكائي أكساقاللي من الاتصال بمساعده عمر خالص دمير وأمره بإطلاق النار على ترزي. عند الساعة 02:14، أطلق خالص دمير النار على ترزي عند مدخل المقر فأرداه قتيلاً، ثم استشهد هو نفسه برصاص عسكريين كانوا برفقة ترزي. اعتبرت السلطات هذه الخطوة من أبرز المحطات التي أسهمت في إفشال المحاولة.

في محيط رئاسة الأركان، أطلق الانقلابيون النار على المحتجين، ما أسفر عن استشهاد 36 مواطناً. ثم قصفت إحدى المقاتلات مبنى البرلمان التركي، ما أدى إلى إصابة 32 شخصاً. عند الساعة 03:00، استعاد المواطنون السيطرة على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، وسلم الانقلابيون الموجودون داخله أنفسهم إلى الشرطة. بين الساعتين 03:14 و03:19، شنت مقاتلة أربع غارات على منشآت شركة “توركسات” في محاولة لتعطيل البث. توافد المواطنون إلى الساحات والمقار الحكومية في مدن مختلفة استجابة لدعوة أردوغان. في إسطنبول، استعادت قوات العمليات الخاصة التابعة للشرطة برج المراقبة في مطار أتاتورك بعد تحييد الانقلابيين، ثم هبطت فيه الطائرة التي كانت تقل الرئيس أردوغان وسط حشود المواطنين. عند الساعتين 03:24 و03:25، تعرض مبنى البرلمان لغارتين جديدتين. عند الساعة 04:00، أصدرت النيابة العامة في أنقرة قرارات بتوقيف قضاة وأعضاء نيابة مرتبطين بالتنظيم، إلى جانب أعضاء ما يسمى “مجلس السلام في الوطن” والمشاركين في المحاولة.

إفشال المحاولة وضحاياها

عند الساعة 06:19، قصفت طائرة تقاطع المجمع الرئاسي في أنقرة، ما أسفر عن استشهاد 15 مواطناً وإصابة 7 آخرين. في مقر قيادة الدرك، أطلق انقلابيون النار على رئيس دائرة مكافحة الإرهاب تورغوت أصلان ومرافقه حسن غولهان، ما أدى إلى إصابة أصلان بجروح بالغة واستشهاد غولهان. منح رئيس الوزراء يلدريم الفريق ضياء كمال قاضي أوغلو صلاحية إسقاط الطائرات التي بقيت تحت سيطرة الانقلابيين. مع اتضاح فشل المحاولة، بدأ الانقلابيون على جسر البوسفور في إسطنبول بتسليم أنفسهم إلى قوات الأمن. عند الساعة 08:26، نُقل رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار، الذي كان محتجزاً في قاعدة أقنجي الجوية، إلى قصر تشانقايا في أنقرة. استهدفت القوات الحكومية، بتوجيه من أردوغان ووزير الدفاع فكري إشيق، المدرج الرئيس في قاعدة أقنجي لمنع إقلاع الطائرات التي يستخدمها الانقلابيون. عند الساعة 12:57، أعلن يلدريم في مؤتمر صحفي السيطرة على المحاولة وإفشالها. بذلك، أُحبطت المحاولة خلال نحو 21 ساعة، بعد تصدي مؤسسات الدولة والمواطنين وقوات الأمن والعسكريين الرافضين للانقلاب. أسفرت المحاولة عن استشهاد 253 شخصاً من المدنيين والعسكريين، واستخدم الانقلابيون نحو 9 آلاف عسكري، و35 طائرة، و37 مروحية، و246 آلية مدرعة بينها 74 دبابة، ونحو 4 آلاف قطعة سلاح خفيف.

وفاة غولن ومصير التنظيم

بدأ فتح الله غولن نشاطه في ستينيات القرن الماضي بمدينة إزمير، قبل أن يؤسس تنظيماً استهدف التغلغل في مؤسسات الدولة. منذ فراره إلى الولايات المتحدة عام 1999، أدار التنظيم من مجمع في ولاية بنسلفانيا، حيث أقام في مزرعة تضم ثماني فيلات وسط إجراءات أمنية مشددة. قدمت تركيا إلى الولايات المتحدة سبعة طلبات رسمية لتسليمه استناداً إلى 27 تهمة، لكن السلطات الأمريكية لم تتخذ أي خطوة عملية. في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، توفي غولن في مستشفى بولاية بنسلفانيا، وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية وفاته رسمياً في وثيقة أرسلتها إلى السلطات التركية.