من الصعوبة بمكان أن تجوب شوارعنا دون أن تلفت نظرك ظاهرة تتكرر باستمرار. ينجح مطعم أو مقهى أو متجر متخصص، وما هي إلا بضعة أشهر حتى يمتلئ الشارع بنسخ مشابهة له، تحمل الأطباق والألوان ذاتها، وأحياناً أسماء لا يغير أصحابها فيها سوى حروف قليلة ليتفادوا قوانين حقوق الملكية الفكرية، دون أن يهدفوا إلى بناء هوية مستقلة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الشارع فحسب، بل إن تصفح أي تطبيق توصيل والبحث عن المتاجر الأكثر رواجاً يكشف عن عشرات النسخ التي تحاول خداعك بما يكفي لاستقطاب جزء من نجاحها. لطالما راقبت هذه الظاهرة، ولم تكن تثير دهشتي بقدر ما تثير تساؤلي: لماذا يبدو التقليد في أحيان كثيرة أكثر جاذبية من المحاولة الأصلية؟
التقليد بين السخرية والممارسة اليومية
والغريب أننا نسخر كثيراً عندما نرى بعض الدول تعيد إنتاج أفلام هوليوود أو تنسخ علامات تجارية عالمية بشكل شبه حرفي، بينما نمارس نحن نسخة أكثر هدوءاً من السلوك نفسه، ليس في التجارة فقط، بل في الفن والإعلان والكتابة، وحتى في الطريقة التي نتخيل بها النجاح.
قبل أن تتقاعد إحدى معلماتي في صناعة الأفلام، تركت لي نصيحة لم أفهمها إلا بعد سنوات، حيث قالت: “لا تنشغل بكسر القواعد قبل أن تحقق أول مليون”. لم يكن المقصود المال بقدر ما كان المقصود أن تتقن الحرفة أولاً، ثم تمنح نفسك حق تجاوزها، ولم تكن تدعوني إلى المحافظة، بل كانت تذكرني بأن لكل حرفة لغتها، ولا يمكنك تجاوزها قبل أن تتقنها.
كل فنان يبدأ مقلداً
كل فنان يبدأ مقلداً، لكن ليس كل مقلد ينتهي فناناً. أتذكر خلال أحد تمارين المونتاج في بداياتي، طُلب منا أن نصنع فيلماً قصيراً من مجموعة لقطات عشوائية. قضيت ساعات أبحث عن مقطوعة موسيقية كلاسيكية، ثم بنيت المونتاج كله على إيقاعها. وعندما عُرض العمل، صفق أغلب الحاضرين، وشعرت للمرة الأولى أنني صنعت شيئاً جميلاً.
بعد العرض، علّق أحد الطلاب بأن أكثر ما أعجبه هو الموسيقى، ولم ألتفت كثيراً إلى تعليقه يومها، ظننته محاولة للتقليل من العمل. لكنني عدت إليه بعد سنوات وأدركت أنني كنت قد حمّلت الموسيقى مسؤولية شعور كان يجب أن يصنعه الفيلم نفسه.
الاقتباس مقابل الأصالة
عندما أشاهد بعض الأفلام اليوم، لا أجد مشكلة في أن أتعرف على أثر المخرجين الذين أحبهم في أعمال غيرهم، فالسينما مثلها مثل الأدب والموسيقى، تتعلم من نفسها باستمرار، وكل جيل يقف على أكتاف من سبقه. ولكن ما يلفت انتباهي في بعض الأعمال المحلية شيء مختلف: أشاهد فيلماً فأتعرف على مراجع لقطاته قبل أن أتعرف على شخصياته، وينتهي الفيلم وأنا أتذكر الأفلام التي اقتبس منها أكثر مما أتذكر الفيلم نفسه. لم تكن المشكلة في الاقتباس، فالسينما كلها مبنية على الاقتباس والتأثر، إنما المشكلة تكمن في أن الفيلم استعار شكل اللقطة تماماً ونسي السبب الذي جعلها تعيش في ذاكرة الناس. فاللقطة لا تصبح أيقونية لأنها جميلة، بل لأنها جاءت في اللحظة التي لا يمكن لأي لقطة أخرى أن تحل محلها!
فالناس لا يتذكرون الصورة لأنها جميلة. يتذكرونها لأنها جعلتهم يشعرون بشيء. ولهذا لا تقنعني صناعة الأفلام عندما تتحول إلى استعراض لقدرات الكاميرا، أو العدسات، أو الدقة، أو المؤثرات البصرية، فهذه كلها أدوات، قد تكون مبهرة لكنها ليست الفيلم. الفيلم لا يتنفس بعمق البوكيه، ولا بحجم العدسة، ولا بجمال الحركة. إنه يتنفس بالقصة وبالشخصيات، وبكل قرار اتُخذ لأنه يخدم شعوراً، لا لأنه يبدو جميلاً.
من التقليد إلى الحياة
ولهذا لا أشعر بالحرج عندما أعود إلى أول ما كتبته أو صورته، بل أشعر بالامتنان. كل حرفة تمر بمرحلة تبدو فيها محاولات صاحبها ساذجة، بل ومحرجة أحياناً، لكن تلك المرحلة لا تدل على ضعف الموهبة، بل دليل على أنها ما زالت تنمو. أما تجاوزها دون أن نخوضها، فهو غالباً لا يقود إلى الأصالة، بل إلى تقليد أكثر إتقاناً.
وتشير دراسات في الإبداع إلى أن رؤية مثال ناجح قبل البدء بالعمل تجعلنا دون وعي نعيد إنتاج خصائصه، وهي ظاهرة يعرفها الباحثون باسم “التثبيت التصميمي”، وربما لهذا يبدو التقليد خطوة طبيعية في بداية أي حرفة. لكن الحرفة لا تنمو بالتقليد وحده. ففي لحظة ما، يتوقف الحرفي عن تقليد ما يراه، ويستبدل سؤال “كيف فعلها؟” بسؤال “لماذا فعلها؟” وهناك فقط… تبدأ الحياة.
مخرج ومنتج سعودي، ومستشار في الاتصال المؤسسي والثقافي






