عاجل
٣ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
الرياض +25°C

خطوط الأنابيب السورية: أصول اقتصادية تتحول إلى مرافق حبيسة الصراعات

21/06/2026 09:01

تُظهر المقترحات الحديثة التي تتناول الجغرافيا الاستراتيجية لسوريا بوضوح أهمية مسارات نقل الطاقة عبر أراضيها، إلا أن هذه الخطط تغفل حقيقة مؤلمة: أصبحت شبكات الأنابيب مرارا هدفاً للنزاعات السياسية والعمليات العسكرية وأعمال التخريب. وهذا التاريخ يثبت أن الأنابيب التي تعبر سوريا ليست مجرد موارد مالية، بل تشكل أيضاً نقاط ضعف استراتيجية يمكن أن تُستغل في الصراعات.

المقترحات الحديثة ومخاطرها الجغرافية

تتضمن أبرز الخطط المقترحة إحياء خط أنابيب نفط يربط كركوك ببانياس، وإقامة خط أنابيب غاز يمتد من قطر إلى تركيا. كلا المشروعين سيجريان عبر مناطق نائية ذات كثافة سكانية منخفضة، ما يزال فيها نشاط خلايا «تنظيم داعش» وبعض الميليشيات الشيعية المدعومة من طهران. بالإضافة إلى ذلك، تتغاضى هذه الخطط عن واقع تجاري أساسي: الأسواق الآسيوية تمثل الآن الوجهة الأسرع نمواً للطاقة الخليجية، بينما تظل أوروبا أقل جذباً، ما يقلل من جاذبية سوريا كممر تصديري.

تاريخ الأنابيب ودورها في تقلبات السياسة السورية

منذ تأسيس الدولة السورية المستقلة عام 1946، لعبت شبكات الأنابيب دوراً بارزاً في المشهد السياسي. مثال ذلك خط الأنابيب العابر للجزيرة العربية (تابلاين) المدعوم من الولايات المتحدة، والذي صُمم لنقل النفط إلى المتناول المتوسطي. في مارس 1949، استُبدِل الرئيس شكري القوتلي بعد أن رفض السماح بمرور الخط عبر مرتفعات الجولان، معتبرًا ذلك انتهاكاً للسيادة. تولى حينها قائد الجيش حسني الزعيم السلطة، وافق على إنشاء الخط، ثم أطيح به بعد أشهر قليلة، ما جعل سوريا تتقلب بين الانقلابات المتتالية.

تأثير الصراعات الإقليمية على مسارات الأنابيب

تعرّضت مسارات الأنابيب للتهديد مع تفجر الأزمات الإقليمية في العقود اللاحقة. خلال أزمة السويس عام 1956، استهدفت القوات الإسرائيلية محطات الضخ على خط كركوك‑بانياس. في عام 1982، أوقف الرئيس حافظ الأسد تدفق النفط عبر الخط نتيجة تحالفه مع طهران ضد صدام حسين في الحرب الإيرانية‑العراقية. وعند توقيع اتفاق سري بين بشار الأسد وصدام حسين، عادت المياه إلى التدفق رغم العقوبات الدولية المفروضة على العراق، إلا أن القوات الأمريكية قصفت البنية التحتية للخط خلال غزو العراق عام 2003، ما أنهى عملياته عملياً.

الدمار الناتج عن الحرب الأهلية وتأثيره على البنية التحتية للطاقة

منذ بداية الصراع الداخلي عام 2011، استهدف «تنظيم الدولة الإسلامية» وجماعات مسلحة أخرى بنظامية البنية التحتية للنفط والغاز. أصبحت الأنابيب ومحطات الضخ ومرافق التصدير أهدافاً عسكرية ومصادر تمويل، فضلاً عن رموز للسيادة الحكومية. ومع سقوط النظام في عام 2024، تعرض جزء كبير من شبكة نقل الطاقة في سوريا للخراب أو النهب أو العجز عن التشغيل.

تُستخلص من كل ما سبق رسالة واضحة: لم تكن خطوط الأنابيب التي تعبر الأراضي السورية محصنةً من الأزمات المحلية أو الإقليمية؛ بل غالباً ما وجدت نفسها ضحيةً مباشرةً للتقلبات السياسية والعسكرية.