في منطقة عمرانية بمدينة إسطنبول، لا تزال مدرسة “ننه خاتون” شاهدًا على تاريخ التعليم التركي منذ السنوات الأولى لتأسيس الجمهورية. المبنى التاريخي الذي وضع حجر أساسه عام 1923 بمشاركة مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، وافتُتح للتعليم في العام التالي باسم “مدرسة أشاغي دودولو الابتدائية”، واصل رسالته عبر أدوار وأسماء مختلفة على مدى قرن تقريبًا.
من مدرسة ابتدائية إلى دار للمعلمين
ظل المبنى يخدم كمركز تعليمي لعقود، لكن مع زيادة أعداد التلاميذ وتنامي الاحتياجات، شُيد مبنى جديد عام 1980 يضم 5 صفوف، ثم مدرسة أكبر عام 1995 تتسع لـ30 صفًا. بعد ذلك، اقتصر استخدام المبنى التاريخي على تدريس الصفين الرابع والخامس، حتى عام 2002 حين أنهى دوره كمدرسة ابتدائية. أُعيد ترميمه وافتُتح في أكتوبر من العام نفسه دارًا لمعلمي عمرانية ومدرسة للفنون في الفترة المسائية، وظل يستضيف أنشطة اجتماعية ومهنية للمعلمين لنحو عقد.
روضة أطفال تحمل اسم “ننه خاتون”
أواخر عام 2012، وبعد إغلاق دار المعلمين، وافقت ولاية إسطنبول على إعادة توظيف المبنى. في العام الدراسي 2013-2014، فتح أبوابه مجددًا كروضة أطفال تابعة لوزارة التربية، تحمل اسم “ننه خاتون”. تضم الروضة 5 صفوف و8 شعب، وتستقبل الأطفال بنظامي دوام كامل ونصفي، كما تحتوي على مطبخ يُحضّر فيه وجبات الإفطار والغداء والوجبات الخفيفة.
وفي حديث للأناضول، قال مدير المدرسة أوكان قوناق إن كادرًا مكونًا من 8 معلمين، إلى جانب الإدارة، يشرف على تقديم أنشطة تعليمية شاملة تتجاوز المعارف الأساسية، تهدف إلى مساعدة الأطفال على تنمية قدراتهم والتفاعل مع محيطهم. تشمل الأنشطة الدراما والفنون والأنشطة البصرية، وبرامج لتطوير المهارات الشخصية والاجتماعية والعاطفية ومهارات العناية الذاتية. كما توفر الروضة دروسًا إضافية اختيارية في الرقصات الشعبية واللغات الأجنبية والشطرنج.
ذكريات تعود مع زيارات التلاميذ السابقين
لا تقتصر قيمة العمل في روضة “ننه خاتون” على الجانب التعليمي، بل ترتبط بخصوصية المبنى التاريخي وما يحمله من ذكريات تمتد عبر أجيال. وأوضح قوناق أن العمل في مدرسة عريقة كهذه مصدر فخر، لأن المباني التي شهدت تعاقب الأجيال تحتفظ بحكايات يمكن استشعارها من خلال الأشخاص الذين عاشوها. ومن أكثر المواقف تأثيرًا، زيارات أشخاص مسنين يتجاوز عمر بعضهم 80 عامًا، يعودون إلى المكان بعد عقود لرؤية الصفوف التي درسوا فيها والمقاعد التي جلسوا عليها. ويصطحبهم العاملون في جولة داخل المبنى، حيث يستعيدون تفاصيل حياتهم المدرسية.
وتمنح هذه الزيارات المبنى صلة مباشرة بماضيه، وتنتقل هذه الصلة أيضًا إلى الأجيال الجديدة. يستذكر قوناق زيارة أب جاء لتسجيل طفله، وقال إن جده درس في المدرسة، ثم والده، ثم هو نفسه، وإنه يريد أن يدرس طفله فيها أيضًا. وأضاف أن مثل هذه المواقف تكشف عن رابطة عاطفية بين العائلات والمدرسة، تتجاوز العلاقة التعليمية المباشرة، وأن العاملين الذين أمضوا سنوات في المؤسسة يشعرون بهذه الصلة خلال تعاملهم اليومي مع الأطفال وأسرهم.






