في قلب إسطنبول التاريخية تقع مدرسة جغال أوغلو الثانوية التي تمثل شاهداً على تحولات التعليم في تركيا على مدار أكثر من 176 سنة.
النشأة والتأسيس العثماني
تعود أصول المؤسسة إلى “دار المعارف” التي افتتحت أبوابها في 21 مارس/ آذار 1850 خلال عهد السلطان عبد المجيد، ضمن جهود التحديث العثماني لإعداد كوادر دولة ذات معارف حديثة. اعتمدت الدار منهجاً تضمن مواداً مثل الحساب والهندسة والفلسفة وعلم الفلك والجغرافيا، بهدف تأهيل الطلاب لمتابعة الدراسة في مؤسسات التعليم العالي الناشئة. شُيد المبنى على طراز مستوحى من النموذج الأوروبي بحضور السلطان وكبار رجال الدولة، وبدأ بنحو 250 إلى 260 طالباً قبل أن يحدد عدد المقبولين بـ180 طالباً مع اعتماد اختبار قبول. كان من بين أوائل الطلبة أبناء السلطان عبد المجيد، بينهم السلطان Murat الخامس والأميرة فاطمة سلطان، إذ حرص السلطان على تلقيهم التعليم alongside أقرانهم. أسهمت والدة السلطان، بزم عالم، في إنشاء المبنى وخصصت أوقافاً لدفع رواتب المعلمين والموظفين، كما أمرت بإنشاء مطبعة داخل المدرسة لطباعة الكتب الدراسية ووقفت لمكتبتها 546 مجلداً من مجموعتها الشخصية، والتي تُحفظ اليوم في مكتبة بيازيد العامة بإسطنبول.
التحولات بين العهدين العثماني والجمهوري
مع مرور الزمن أصبحت دار المعارف مرتبطة بتطور التعليم الحديث في الدولة العثمانية، حيث استضافت أنشطة المجلس العلمي (مجلس دانش) واستُخدمت لاحقًا لمراحل تعليمية مختلفة مثل فصول المدرسة الإعدادية المدنية و”دار الفنون السلطانية”. في عام 1911 بدأ العمل باسم “إعدادية البنات” ثم تغير المسمى إلى “الثانوية السلطانية للبنات” و”ثانوية بزم عالم”. بعد تأسيس الجمهورية التركية استمرت المدرسة باسم “ثانوية إسطنبول للبنات” حتى ثمانينيات القرن الماضي. في العام الدراسي 1983-1984 تحولت إلى مدرسة مختلطة واعتمدت اللغة الألمانية لغة تدريس، واتخذت اسمها الحالي “ثانوية الأناضول جغال أوغلو” نسبة إلى المنطقة التي يقع فيها المبنى. يوضح مدير المدرسة كوكهان قره طاش أن الانتقال شمل سنة تحضيرية وأربع سنوات دراسية، وأن الاسم الحالي مستخدم منذ عام 1983.
الحاضر والإرث الأكاديمي
تستضيف المدرسة حالياً نحو 740 طالباً وطالبة يدرّسونهم نحو 60 معلماً، وقد خرجت آلاف الخريجين منذ العهد العثماني وحتى اليوم. ضمن بروتوكول بين تركيا وألمانيا يحصل الطلاب على دبلوم إضافي معترف به في ألمانيا، ما يتيح لهم متابعة الدراسة في جامعات ألمانية أو في دول تستخدم اللغة الألمانية، بالإضافة إلى إمكانية الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي داخل تركيا. يشير قره طاش إلى أن خريجي المدرسة يواصلون تعليمهم في جامعات تركية بارزة مثل جامعة بوغازإيجي (البوسفور)، وجامعة إسطنبول التقنية، وجامعة يلدز التقنية، مؤكداً أن المدرسة تحافظ على حضورها الأكاديمي إلى جانب إرثها التاريخي. يفتخر العاملون والطلاب بالدراسة في مبنى تاريخي يتميز بأسقفه المرتفعة وأبوابه الكبيرة، ويعتبرون خدمة هذا الصرح التعليمي شرفاً كبيراً.






