الورشة ومبادئ الترميم
في سوق السجاد التاريخي بمنطقة الفاتح بإسطنبول توجد ورشة متواضعة تستقبل قطعًا نادرة من السجاد اليدوي جاءت من قصور ملكية ومجموعات خاصة وعائلات عريقة وحتى من الروضة الشريفة في المسجد النبوي بعد أن أثر الزمن عليها. يخصص الحرفي أحمد بيرقدار ساعات طويلة للعمل بين خيوط الحرير والصوف والإبر الدقيقة، حيث يعيد ترميم سجاد أثري تجاوز عمر بعضه قرنًا من الزمن، ملتزمًا بأساليب النسج والمواد الأصلية التي صنعت بها القطع قبل سنوات، سعيا لإعادتها إلى هيئتها الأولى دون المساس بهويتها أو قيمتها التاريخية والفنية والروحية. يحرص على الحفاظ على الطابع الفني لكل قطعة، فكل سجادة تختلف في تاريخها وخاماتها وطريقة نسجها والحكاية التي تحملها بين خيوطها.
السجادة المقدسة من الروضة الشريفة
وصل إلى الورشة طلب ترميم لسجادة ذات قيمة لا تقاس بمقياس مادي فقط؛ إذ كانت تستخدم في الروضة الشريفة بين بيت ومنبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي بالمدينة المنورة. أشار أحمد بيرقدار إلى أنه سبق أن أجرى مراسلات مع الجهات المختصة لمناقشة تفاصيل عملية الترميم والوقت اللازم لإنجازها. كان يظن أن السجادة القادمة ستكون من أحد القصور أو العائلات الملكية نظرا لاستلامه подобные الأعمال بين حين وآخر، لكنه تفاجأ بوصول سجادة من الروضة الشريفة التي صلى عليها ملايين المسلمين أثناء أداء الحج والعمرة. وصف هذا التطور بأنه أثر فيه كثيرا وأسعده، واعتبر ترميم هذه السجادة داخل ورشته في تركيا يمثل قيمة معنوية كبيرة له وفريق العمل.
قصص أخرى من السجاد النادر
بينما تنتظر سجادة الروضة الشريفة دورها في الترميم، يواصل بيرقدار العمل على واحدة من أندر القطع الموجودة حاليا في ورشته، وهي سجادة عثمانية نسجت خلال القرن الثامن عشر في منطقة أيوب سلطان بإسطنبول وكانت مخصصة للقصر العثماني. يعمل على ترميمها منذ نحو ثلاث سنوات، ولم يتبق من العمل عليها سوى شهر أو شهرين قبل تسليمها إلى مالكه. يوضح أن ما يميز هذه السجادة هو نجاح أجدادنا النساجون العثمانيون في الجمع بين الحرير والمعدن في عملية النسج؛ كانوا يمزجون داخل خيوط الحرير خيوطا معدنية لامعة مصنوعة من النحاس، ثم ينسجون الحرير والنحاس اللين معا، ويعد ذلك من أندر أساليب الحياكة في العالم. أضاف أن أطراف السجادة تحمل قصائد ومدائح كتبت في مدح الأسرة العثمانية، ما يضاعف قيمتها التاريخية والفنية ويجعل عملية ترميمها أكثر تعقيدا ودقة.
ويعمل منذ أسبوع على ترميم سجادة إيرانية من نوع “ملاير” يعود عمرها إلى نحو 150 عاما، ويتوقع الانتهاء منها خلال أسبوعين فقط. يوضح أن لا توجد مدة ثابتة لترميم السجاد الأثري؛ فإعادة قطعة قديمة إلى مظهرها الأصلي مع الحفاظ على توازنها البصري وروحها التاريخية يعتمد بالكامل على مهارة الحرفي ودقة العمل. قد يستغرق ترميم بعض القطع أياما بينما يحتاج بعضها الآخر إلى سنوات، وفي الحقيقة السجادة نفسها هي التي تحدد زمن الترميم، وليس الحرفي.
ويذكر أحمد بيرقدار أن بين آلاف السجاد الذي مر بين يديه ما تزال بعض القطع حاضرة في ذاكرته ليس لقيمتها التاريخية فحسب بل لما تركته من أثر شخصي لا ينسى. يستذكر واحدة من تلك القطع وهي سجادة وصفها بأنها “أدق سجادة في العالم”، إذ كانت كثافة عقدها استثنائية إلى درجة يصعب تصورها؛ ففي السجاد العادي لا يتجاوز عدد العقد في السنتيمتر المربع الواحد 4 عقد، بينما كانت تلك السجادة تضم 1650 عقدة. اضطر إلى ترميمها باستخدام عدسة مكبرة طوال فترة العمل، مما تسبب في انفجار أحد الشعيرات الدموية الدقيقة في عينيه اليسرى وحدوث وذمة، وترك في عينه ذكرى لن ينساها.
كما شارك بدعوات من عملائه في معارض أقيمت في اليابان والصين وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية، وشاهد خلالها قطعا نادرة لم ير مثل بعضها سوى مرة واحدة طوال حياته. ومن بين أكثرها تميزا سجادة عثمانية حريرية أصلية تبلغ مساحتها نحو 10 أمتار مربعة تولى ترميمها لصالح قصر الملك محمد الخامس في ماليزيا، والتي يبدو أنها كانت قد وصلت إلى القصر هدية في وقت سابق وكانت بالفعل من أميز القطع التي عمل عليها طوال حياته.
ويؤكد أن رغم الخبرة التي راكمها على مدى عقود يبقى الزمن هو الخصم الأصعب في مهنة ترميم السجاد؛ فلا يمكن إنقاذ كل قطعة مهما بلغت قيمته. إمكانية ترميم السجاد ترتبط بدرجة كبيرة بعمره وحالته؛ القطع التي يتجاوز عمرها 200 عام تصبح شديدة الهشاشة وقد لا تتحمل أي تدخل مهما بلغت دقته. يشبّه ترميم سجادة يزيد عمرها على مئتي عام بإجراء عملية قلب لإنسان بلغ المئة من عمره، إذ قد تغرز الإبرة في النسيج لكنه لا يعود قادرا على تحملها لأن الألياف تكون قد ضعفت بفعل الزمن وقد يتفكك النسيج بمجرد إدخال الإبرة.
ويشير إلى أن معظم السجاد الموجود حاليا في ورشته يعود عمره إلى ما بين 100 و150 عاما، وجميعه منسوج يدويا ويعد من القطع النادرة والثمينة. ويخلص إلى أن لا يوجد جدول زمني محدد لترميم السجاد؛ فكل قطعة تفرض إيقاعها الخاص وتحدد بنفسها مقدار الوقت الذي تحتاجه لاستعادة حياتها، ولذا لا يحدد أحمد بيرقدار موعد انتهاء عمله على أي قطعة تصل إلى ورشته لأن القرار، كما يقول، لا يعود إليه بل “السجاد هو من يحدد زمن الترميم”.






