تونس – عادل الثابتي / الأناضول
أثار انسحاب جبهة تحرير أزواد من مدينة كيدال شمالي مالي دون قتال، في السادس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، تساؤلات واسعة حول ما إذا كان هذا التطور يمهّد لعودة المسار التفاوضي أم أنه مجرد إعادة تموضع استعداداً لجولة جديدة من القتال في المنطقة.
ويؤكد خبراء تحدثوا للأناضول أن استعادة الجيش المالي لمدينة كيدال الاستراتيجية لا تعني نهاية الصراع، مشيرين إلى أن العودة إلى المواجهات المسلحة تظل واردة بقوة إذا تعثرت الحلول السياسية.
باماكو: أمن واستقرار رغم التوتر في الشمال
في تعليقه على المستجدات، قال خبير في الشأن المالي يقيم في العاصمة باماكو، مفضلاً عدم كشف هويته لدواع أمنية، إن “باماكو أصبحت آمنة الآن ومستقرة وخطوط الإمداد عادت تعمل في وضع طبيعي”.
وأضاف الخبير في تصريح للأناضول أن “أحداث الشمال في كيدال وغيرها لا تأثير لها في الوضع الحالي رغم أن الجيش يتكبد خسائر كبيرة”. وأكد أن “الاتفاق مع الجزائر كان له تأثير في استقرار العاصمة وحصر المعارك في الشمال”.
ورجّح الخبير أن تكون هناك “أجندة سياسية متفق عليها تقضي بإجراء انتخابات وتسليم السلطة لجهة منتخبة”. كما رجح أن يكون “تراجع أزواد من كيدال متفقاً عليه من خلال العودة إلى خطوط تماس قديمة”، مستدلاً على ذلك بخروج جبهة تحرير أزواد “دون قتال”.
الجبهة: انسحاب استراتيجي والحرب مستمرة
من جانبه، وصف الناطق باسم جبهة تحرير أزواد، محمد المولود رمضان، الانسحاب بأنه “محكم ومنظم ومجرد عملية استراتيجية”. وقال في اتصال مع الأناضول: “لدينا استراتيجية بإخلاء كيدال والنظر في أمور أخرى، فالانسحاب متعلق بأمور عسكرية بحتة”.
واعتبر رمضان أن “مستقبل دولة مالي مشروط بإيجاد حلول عادلة للقضية الأزوادية، وعدم الاستقرار سيستمر ما لم توجد حلول تلبي تطلعات الشعب الأزوادي”، مردفاً: “نحن في حرب والمعارك ستستمر”. وشدد على ضرورة إيجاد حلول للقضية، “خاصة سياسية تتعلق بحق الشعب الأزوادي في تقرير المصير”.
خبراء: فرصة للتفاوض لكن السيناريوهات مفتوحة
أما أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر، عمار سيغة، فأوضح في حديث للأناضول أن “ما تشهده أزمة مالي من تطورات بعد عودة جبهة تحرير أزواد إلى خطوط التماس القديمة يطرح عدة تساؤلات وتفسيرات”. وأشار إلى أن أبرز تلك التساؤلات يتعلق “بالحل السياسي الذي يمكن اعتباره قريباً من خلال التطورات الميدانية التي أثبتت أن التكلفة باهظة للمقاربة العسكرية”، لافتاً إلى الخسائر البشرية.
وأضاف سيغة أن “المقاربة العسكرية أصبحت على المحك، بالإضافة إلى وجود ضغوط إقليمية ودولية من خلال لعب الجزائر دوراً مهماً في رعاية اتفاق السلم والمصالحة”. ولفت إلى أن الاتفاق جاء ضمن مسار رعته الجزائر لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، وتغليب مقاربة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل من خلال الحوار السياسي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وتابع: “هناك تطورات أخرى من خلال دخول الأزمة مرحلة مفصلية وبوادر الانفراج السياسي باتت أكثر طرحاً”. وذهب إلى معطى آخر يتمثل في “عودة التفاوض لإيجاد مخارج سياسية، باعتبار أن جبهة تحرير أزواد ما زالت تتمسك بمطالبها المتعلقة بالتنمية وإنشاء مشاريع اقتصادية من شأنها تخفيف الفقر وتحسين الظروف الاجتماعية”.
وبحسب سيغة، فإن “السيناريوهات مفتوحة لكل الاحتمالات، والعودة للعمل المسلح واردة إذا فشل أي تفعيل جديد لاتفاق الجزائر 2015”. ونبّه إلى أن الطرفين، جبهة تحرير أزواد والجيش المالي، قد يستغلان الهدوء “لتنظيم الصفوف وتأمين خطوط الإمداد في العمق الصحراوي، تحسباً لأي سيناريوهات محتملة”.
اتفاق الجزائر: من التوقيع إلى الإلغاء
وفي العام 2015، تم التوقيع على “اتفاق السلم والمصالحة في مالي” بوساطة رئيسية من الجزائر بين الحكومة المالية وجماعات مسلحة شمالي البلاد. وتضمن الاتفاق ترتيبات لدمج مقاتلين سابقين في مؤسسات الدولة ومعالجة قضايا سياسية وأمنية وتنموية في شمال مالي. وفي يناير/كانون الثاني 2024، أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي “إنهاء” الاتفاق “بأثر فوري”.
ويرى سيغة أن “انسحاب القوات الأزوادية من كيدال يفتح فرصاً حقيقية قد تساهم في إحياء المسار التفاوضي وتغليب المقاربة السياسية، وهو ما قد يحول الملف من نبرة عسكرية تصادمية إلى منطق التوافق الشامل والحوار”. ويضيف: “الانسحاب يؤكد أن القيادة الأزوادية لا تزال تحافظ على المرونة اللازمة التي تمكن من تجسيد تطلعات القبائل والمكون الاجتماعي للمنطقة بما يكفل الوحدة والاستقرار في مالي”.
منطقة شاسعة وتحديات أمنية مستمرة
بدوره، يعتبر الباحث الموريتاني في شؤون دول الساحل والصحراء، محمدن أيب أيب، أن “انسحاب جبهة تحرير أزواد سيفتح أمامها علاقات جديدة وآفاقاً عسكرية وأمنية جديدة في حوض نهر النيجر وبحيرة تشاد وإقليم أزواد”. ويذكر أيب للأناضول أن “دخول جيش مالي إلى كيدال جاء بعد التقارب الجزائري المالي”.
لكنه يرى أن دخول المدينة “لا يعني نهاية الحرب، لأنه أمام حيز جغرافي يمتد إلى حدود الجزائر ومنطقة تودن (نحو 1200 كيلومتر شمال باماكو)، وهي صحراء واسعة قاحلة لا أثر فيها للوجود المالي”. ويوضح الباحث الموريتاني أن “الانسحاب جاء بسبب الغطاء الجوي الذي وفره الروس للجيش المالي”.
ويتوقع أنه “لن يكون هناك استقرار إلا بغلبة السلاح أو العودة إلى المفاوضات بين جبهة تحرير أزواد ومالي”. ويلفت إلى أن “جبهة تحرير أزواد انسحبت ودخل الجيش دون قتال، إلا أن الحديث عن استقرار في مالي بعيد المنال الآن”.
يذكر أن تسمية “أزواد” تطلق على منطقة جغرافية واسعة في شمال مالي تضم مكونات سكانية وإثنية متعددة، منها الطوارق والعرب والفولاني والسونغاي، ويعد الطوارق من أبرز مكوناتها، ويتميزون بثقافتهم الأمازيغية ولغتهم التماشقية. وتبلغ مساحة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع من إجمالي مساحة مالي البالغة نحو 1.24 مليون كيلومتر مربع، وتمتد شمالي البلاد بمحاذاة الحدود مع الجزائر وموريتانيا والنيجر.






