عاجل
السبت، 31 أكتوبر 2026١٩ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 21°C

ندرة السلع في تونس: هل استقرت الأسواق أم لا تزال مهددة؟

28/09/2026 07:34

تحليل الأسعار والمواد الأساسية

أوضح المحلل المالي بسام النيفر أن المواد الأساسية مثل الأرز والسكر والشاي تستورد عبر ديوان التجارة الذي يعاني من ديون كبيرة وله أولويات أخرى، مشيرًا إلى أن هذه الظروف تؤثر على انتظام توفيرها في الأسواق.

أضاف النيفر أن تونس خرجت من أزمة كوفيد في عام 2020، ثم تأثرت بتداعيات أزمة أوكرانيا، والآن تعيش البلاد أزمة عام 2026، لكنه يرى أن السوق تسير نحو التوازن ولا يتوقع حدوث نقص في المواد الأساسية خلال الأشهر القادمة.

وجهات نظر الخبراء

من جهته، أشار أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي إلى أن عوامل هيكلية ومالية تجعل خطر تجدد الأزمة قائمًا، أبرزها اضطراب منظومة التخزين والخلط بينها وبين الاحتكار، بالإضافة إلى ضغوط تمويل الواردات وشح موارد الماء واحتمالات تراجع النمو.

ولفت إلى أن موجة نقص بالمواد الأساسية شهدتها تونس خلال صيف العام 2026 أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول أسباب تكرار أزمات الندرة ومدى قدرة الاقتصاد على تجاوزها، موضحًا أن هذه الظاهرة ليست جديدة إذ شهدت البلاد صعوبات في توفير الخبز خلال صيف 2023.

عوامل هيكلية ومالية

ويُحمّل الخطاب الرسمي مسؤولية الندرة إلى مؤامرات سياسية تستهدف الرئيس قيس سعيد بسبب مقاومته الفساد ولوبياته، بينما يطرح تجدد الظاهرة تساؤلات بشأن ما إذا كان اقتصاد البلاد لا يزال عرضة لموجات الندرة أم بدأ مرحلة من التعافي.

وتأتي هذه التساؤلات في وقت سجل فيه الاقتصاد التونسي نمواً بنسبة 2.3 بالمئة خلال الربع الثاني من 2026، ليصل النمو خلال النصف الأول من العام إلى 2.4 بالمئة، مدفوعًا بتحسن قطاعي الفلاحة والسياحة وفق المعهد الوطني للإحصاء.

ويعتقد النيفر أن السوق تتجه إلى التوازن بعد انحسار ذروة الاستهلاك الصيفية، مستبعدًا حدوث أزمة في المواد الأساسية خلال الأشهر المقبلة.

لكن الشكندالي يحذّر من أن مخاطر الندرة لا تزال قائمة بفعل عوامل هيكلية ومالية، أبرزها اضطراب منظومة التخزين والتوزيع، وضغوط تمويل الواردات، وشح الموارد المائية، واحتمالات تراجع النمو، وفق تصريحاته للأناضول.

ويقول النيفر إن ندرة بعض المواد ليست لها الأسباب نفسها، مشيرًا إلى أن نقص الأرز، على سبيل المثال، يرتبط بعوامل عالمية ومناخية أثرت في كبار المنتجين في جنوب شرق آسيا.

ويوضح أن السكر يمثل إشكالًا قائمًا منذ سنوات، مع وجود تحسن خلال الفترة الأخيرة، لكن النقص ما زال مستمرًا.

ويبين أن الأرز والسكر والشاي تُورد عبر الديوان التونسي للتجارة (حكومي)، الذي يعاني ديونا ولديه أولويات أخرى، في وقت تواجه فيه ميزانية الدولة ضغوطا كبيرة.

ويتابع: خرجنا من أزمة كوفيد في 2020، ثم جاءت تداعيات أزمة أوكرانيا، والآن لدينا أزمة 2026، مضيفًا أن ثلاث أزمات خلال ست سنوات واجهت ميزانية عمومية لم تكن وضعيتها جيدة أصلاً.

وبخصوص أزمة المياه المعلبة التي برزت خلال الصيف، يرى النيفر أن المشكلة لم تكن في الإنتاج بقدر ما كانت في مسالك التوزيع التي لم تعد منظمة كما كانت، مشيرًا إلى أن أصحاب المخازن كانوا سابقًا يشكلون الحلقة الأولى في تزويد الأسواق ويكوّنون مخزونات كبيرة، قبل أن تتغير هذه الآلية.

ويشير إلى أنه مع ارتفاع درجات الحرارة والزيادة الكبيرة على الطلب لم تتمكن السوق من تلبية الاحتياجات، ما أدى إلى ظهور الندرة، وأن تراجع درجات الحرارة أعاد وضعية المياه المعدنية المعلبة إلى طبيعتها.

وبالنسبة لتأثير تحسن النمو الاقتصادي، يعتقد النيفر أن نمو الاقتصاد بنسبة 2.4 بالمئة يمكن أن يخلق طلبًا إضافيًا، لكن التضخم يضغط على القدرة الشرائية ما يجعل الاستهلاك يتركز بدرجة أكبر على المواد الأساسية.

ويشير إلى أن المواد المدعومة تستحوذ على جزء مهم من الاستهلاك، إلى جانب نفقات الصحة والملابس والتعليم، ويرى أن النمو المسجل لم يولد طلبًا إضافيًا كبيرًا، لا سيما بعد انتهاء ذروة الاستهلاك الصيفية وعودة المغتربين والسياح إلى بلدان إقامتهم.

ويتوقع النيفر حدوث نوع من التوازن خلال الفترة المقبلة مع العودة إلى نسق الإنتاج والاستهلاك المعتاد.

توقعات المستقبل

في المقابل، يرى الشكندالي أن موجات النقص في بعض المواد الأساسية تعود إلى تداخل عدة عوامل هيكلية وتنظيمية وظرفية، مبينًا أن من أبرزها ضرب منظومة التخزين التجاري والخلط بينها وبين الاحتكار.

ويذكر أن تجريم التخزين والتعامل معه باعتباره احتكارًا أو مضاربة، بما يشمل تكوين مخزون اعتيادي لتأمين استمرارية التوزيع، أدى إلى عزوف فاعلين اقتصاديين عن تكوين مخزونات من المياه.

ويعتقد أن ذلك تسبب في تفكيك حلقات الإمداد الوسيطة التي كانت تمتص تقلبات الطلب، وحرم السوق من صمام أمان تقليدي.

ويشير إلى أن العامل الثاني يتمثل في الضغط الموسمي وبلوغ الاستهلاك ذروته خلال الصيف، بالتزامن مع الموسم السياحي.

أما العامل الثالث، بحسب الشكندالي، فيرتبط بانقطاعات الكهرباء والأعطال التقنية في بعض وحدات الإنتاج الكبرى بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، ما ساهم في نقص بعض المواد، وخصوصا المياه المعلبة.

ويشير الشكندالي إلى عامل آخر يتمثل في الضغوط على التوازنات المالية، التي يقول إنها حدت من قدرة الدولة على ضمان انتظام التزويد بالمواد الأساسية.

ويضيف أن المالية العمومية تواجه ضغوطا في السيولة، ما يحد من القدرة على تمويل واردات المواد المدعومة، مثل الأرز والسكر والشاي، بالسرعة المطلوبة، وينعكس على انتظام توفرها في الأسواق الرسمية.

وبشأن ارتفاع معدل النمو مقارنة بسنوات سابقة، يقول الشكندالي إن تسجيل 2.4 بالمئة خلال النصف الأول من العام يفترض الحذر والتدقيق، معتبرًا أنه لا يزال دون هدف النمو المحدد عند 3.3 بالمئة.

ويتوقع تراجع النمو خلال النصف الثاني من العام، عازيًا ذلك إلى تداعيات انقطاعات الكهرباء على الإنتاج الصناعي والخدماتي، والتوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط عالميا وما يترتب عليها من زيادة كلفة الإنتاج والنقل والضغط على ميزانية الدولة.

ويعتقد أن النمو المسجل حتى الآن لم يكن مدفوعا بقطاعات إنتاجية قادرة على تخفيف الضغط على السوق الداخلية، بل جاء أساسا من الخدمات والفلاحة.

ويشير إلى أن جزءا مهما من نمو القطاع الفلاحي يعود إلى وفرة محصول زيت الزيتون، الذي يتجه أساسا إلى التصدير، وبالتالي فإن أثره على توفر المواد الأساسية في السوق المحلية يظل محدودا.

وعلى خلاف توقعات النيفر، يرى الشكندالي أن الوضع الاقتصادي الراهن يحمل عدة مؤشرات موضوعية تجعل خطر تجدد أزمات الندرة أو استمرارها خلال الأشهر المقبلة أمرا ممكنا إذا لم تُتخذ إصلاحات استباقية.

ويوضح أن من بين تلك المخاطر احتمال تباطؤ النمو خلال النصف الثاني من العام نتيجة ارتفاع كلفة الطاقة وانقطاعات الكهرباء، بما قد يقلص العرض المحلي ويزيد هشاشة الأسواق أمام أي صدمة جديدة.

كما يشير إلى شح الموارد المائية وتأثيره المباشر على الإنتاج، فضلا عن الضغوط المالية ومحدودية احتياطات النقد الأجنبي وما تفرضه من قيود على تمويل الاستيراد المنتظم للمواد المدعومة، مثل السكر والأرز والشاي، معتبرا أن التأثير قد يمتد إلى الوقود.

ويحذر الشكندالي من أن استمرار الخلط بين التخزين التجاري المنظم والاحتكار، دون مراجعة هيكلية واضحة، سيجعل حلقات التوزيع الوسيطة أكثر حذرا وأقل قدرة على أداء دورها في ضبط السوق.

ويختم بأن استمرار هذا الوضع سيبقي باب الندرة مفتوحا أمام أي ذروة استهلاكية مقبلة.

وفي مقابل التحذيرات من عوامل اقتصادية وهيكلية وراء أزمات الندرة، تربط السلطات التونسية جانبا من نقص المواد الأساسية بالاحتكار والمضاربة ومحاولات افتعال أزمات.