تعيش مدينة تعز، الواقعة في جنوب غرب اليمن، أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة جراء الحصار المشدد الذي تفرضه جماعة الحوثي على مداخلها، مما أدى إلى تفاقم معاناة السكان الذين يكافحون يومياً لتأمين احتياجاتهم الأساسية في ظل شح حاد في السلع والخدمات.
حصار يخنق المدينة وكميات ضئيلة من المساعدات
وقال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يانس لاركيه، في تصريحات أدلى بها للصحفيين في مدينة جنيف يوم الجمعة، إن كميات محدودة للغاية من الوقود والغذاء وغيرها من الإمدادات تمكنت من الوصول إلى تعز منذ الثالث من أكتوبر 2026. وأضاف أن معظم سكان المدينة يعتمدون على المياه المنقولة بواسطة الشاحنات، ومع إغلاق الطرق ونقص الوقود اللازم لتشغيل هذه الشاحنات، انخفض إنتاج المياه في المدينة إلى النصف تقريباً، بينما تضاعفت تكلفة المياه المنقولة بالشاحنات نحو ثلاث مرات. ونبه لاركيه إلى أن غاز الطهي أصبح شبه مفقود، مما يهدد المطابخ المجتمعية التي تقدم وجبات ساخنة للعائلات المحتاجة.
معاناة يومية: غلاء فاحش وشح في السلع
وتجولت كاميرا وكالة الأناضول في أرجاء تعز، حيث رصدت المعاناة الحادة للسكان الذين يواجهون نقصاً في الوقود وارتفاعاً جنونياً في أسعاره، إذ يُباع الوقود في زجاجات صغيرة على جوانب الطرق بأسعار خيالية. كما تكدست النفايات في بعض الشوارع بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل مركبات النظافة، بينما يخوض المواطنون معركة يومية للحصول على أسطوانات الغاز المنزلي. وتشهد المدينة ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع الأساسية، مما يزيد من الأعباء المعيشية على الأسر ويجعل توفير الاحتياجات اليومية أمراً بالغ الصعوبة.
وفي حديث مع الأناضول، وصفت اليمنية أم عمر، التي تعيل أربعة أطفال، الظروف الإنسانية الصعبة التي يكابدها سكان المدينة، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعل العديد من الاحتياجات اليومية بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين. وأضافت: “منذ بدء الحرب لم نشهد مثل هذه الأوضاع، واليوم نواجه معاناة لم نعد قادرين على تحملها”. وذكرت أن سعر عشرين لتراً من البنزين وصل إلى نحو 80 ألف ريال يمني (الدولار يساوي 1560 ريالاً)، بعدما كان في حدود 30 ألف ريال، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 40 ألف ريال، وتباع في السوق السوداء، بعد أن كانت تباع بنحو 10 آلاف ريال. وأوضحت أم عمر أن المعاناة لم تعد تقتصر على الجانب المعيشي، بل امتدت لتشمل الجوانب النفسية والجسدية، جراء الضغوط اليومية الناجمة عن ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية بسبب استمرار الحصار وتفاقم الأزمة الإنسانية.
بدورها، قالت سميرة عبد الله، وهي من سكان تعز، إن الحصار فاقم معاناة السكان وأثقل كاهلهم بالأعباء المعيشية، في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار وشح السيولة النقدية وغياب الدعم، مما جعل كثيراً من الأسر عاجزة عن توفير الاحتياجات الأساسية. وأضافت للأناضول أن أسعار الخبز ارتفعت بشكل غير مسبوق، بالتزامن مع انعدام الغاز المنزلي، الأمر الذي ضاعف معاناة المواطنين وأثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية. وأشارت إلى أن السكان يواجهون أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل محدودية مصادر الدخل وغياب المساعدات، وتابعت بمرارة: “كيف نعيش؟ وإلى أين نذهب؟ لا توجد سيولة ولا دعم من أي جهة، وكل شيء أصبح صعباً”. وناشدت سميرة، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، بالالتفات إلى أوضاع تعز وأبنائها، والعمل على تخفيف معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية، مؤكدة أن السكان لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من الأعباء في ظل استمرار الحصار وتفاقم الأزمة الإنسانية.
المستشفيات على شفا التوقف: نقص الوقود والأدوية
وفي سياق متصل، قال مسؤول الإعلام في مكتب وزارة الصحة بمحافظة تعز، تيسير السامعي، إن الحصار المفروض على المدينة انعكس بشكل كبير على الأوضاع المعيشية والصحية للسكان. وأضاف السامعي، في تصريح للأناضول، أن الحصار أدى إلى ارتفاع الأسعار ونقص إمدادات المياه والغاز والمشتقات النفطية، فضلاً عن حرمان المواطنين من الحصول على العديد من الاحتياجات الأساسية. وأشار إلى أن المستشفيات والمرافق الصحية باتت مهددة بالتوقف عن العمل بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيلها، إلى جانب النقص الكبير في الإمدادات الطبية والأدوية. وأوضح أن الكوادر الصحية تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، مما يؤثر على مستوى الخدمات الصحية المقدمة للمرضى، في ظل تزايد الاحتياجات وتراجع الإمكانات المتاحة. وحذر السامعي من أن تعز تواجه “كارثة إنسانية تتطلب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ السكان”، وشدد على ضرورة التحرك لإنهاء الحصار ووضع حد للتدهور المتواصل في الأوضاع الإنسانية والصحية بالمحافظة.
خلفية الصراع: حصار مستمر وتصعيد عسكري
وتغلق جماعة الحوثي الطرق المؤدية إلى مناطق سيطرة الحكومة في محافظة تعز، وفقاً لمنظمات حقوقية وإنسانية في اليمن. وتتهم هذه المنظمات الحوثيين بمنع قوافل الإغاثة الإنسانية من الوصول إلى السكان والمتضررين من الحرب في مدينة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة منذ اندلاع النزاع اليمني، وهو ما تنفيه الجماعة. ومنذ الخامس من أكتوبر 2026، تستمر عملية “فجر اليمن” العسكرية، التي قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة من جماعة الحوثي والسيطرة على العاصمة صنعاء. وبدأ تصعيد عسكري في اليمن في يوليو 2026، وهو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي شهدته البلاد بفضل هدنة بدأت في أبريل 2022. ويشهد اليمن حرباً منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر 2014، قبل تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس 2015 دعماً للحكومة اليمنية.






