عاجل
٤ صفر ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 20 يوليو 2026
الرياض +14°C

من مخلفات الكبتاجون إلى شريك أمني إقليمي: تحول سوريا في مكافحة المخدرات

29/06/2026 07:01

لم يقتصر الدمار الذي خلفته سنوات الصراع في سوريا على احتراق المدن فقط، بل امتد إلى إضعاف مؤسسات الدولة وإفساح المجال لتكتّس اقتصاد الجريمة المنظمة. وبمرور الوقت، تحوّلت البلاد إلى واحدة من أبرز مراكز إنتاج المخدرات وتهريبها، حيث ارتبط اسمها في كثير من التقارير الأمنية بشبكات مخدرات عابرة للحدود، متجاوزةً أدوارها التاريخية في المنطقة.

إرث مخدرات شامل يواجه الدولة الجديدة

عند سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، وجدت الحكومة المتعاقبة نفسها أمام عبء ثقيل لا يقتصر على إعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات، بل يشمل منظومة متكاملة لإنتاج وتهريب المخدرات وتمويلها وحمايتها. وبالتالي، لم يكن سؤال إعادة بناء الدولة هو الوحيد المطروح، بل تداخل سؤال آخر حول قدرة سوريا على التحوّل من دولة تُعرف بواحد من أخطر اقتصاديات الجريمة المنظمة إلى شريك فاعل في الأمن الإقليمي والعالمي.

إطلاق الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات

في خطوة تجاوزت الطقوس الرسمية، أعلن الرئيس أحمد الشرع، قبل يومين، عن بدء الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات ومعالجة الإدمان. لم تقتصر هذه المبادرة على وزارة الداخلية، بل شاركت فيها وزارة الصحة إلى جانب ممثلين عن منظمات دولية وسفراء ودبلوماسيين، في رسالة مزدوجة: أولاً، أن ملف المخدرات لم يعد مجرد قضية جنائية، وثانياً، أن سوريا تسعى لجعل هذا الملف وسيلة لإعادة بناء الثقة مع دول الجوار والشركاء الدوليين.

تجسدت هذه الرؤية في سلسلة من الإجراءات التي تم تنفيذها منذ سقوط النظام السابق، حيث لم تقتصر الجهود على ضبط الشحنات فقط، بل استهدفت البنية الكاملة لاقتصاد المخدرات. ووفقاً لإدارة مكافحة المخدرات، فقد تم تفكيك 17 معملًا لتصنيع الكبتاجون، وإغلاق 20 مستودعًا للمواد الأولية، وتدمير 90 شبكة تهريب، بالإضافة إلى ضبط ما يقرب من 700 مليون حبة كبتاجون، و221 طناً من المواد الأولية، و15 طناً من الحشيش، و84 كيلوغراماً من الكريستال، و18 كيلوغراماً من الكوكايين، و7 كيلوغرامات من الهيروين، وعشرة ملايين حبة من الأدوية المخدرة.

تغيير استراتيجية المواجهة وتوسيع التعاون الدولي

لم تُعَد هذه الإنجازات انتصارًا نهائيًا على المخدرات، لكنها تدل على تحول جذري في أسلوب المواجهة. ففي البداية كان التركيز على اعتراض الشحنات، ثم انتقلت الأجهزة إلى كشف آليات عمل الشبكات وطرق التهريب، لتتمكن من تفكيكها، ملاحقة القادة المدبرين، وضربة مصادر التمويل. هذا النهج يواكب فلسفة مكافحة الجريمة المنظمة المتبعة دوليًا، التي تستهدف البنية الاقتصادية والتنظيمية للتهريب.

من ناحية أخرى، اختارت دمشق معالجة الملف خارج حدودها بدلاً من اعتباره مسألة سيادية مغلقة. فقد نفذت عمليات مشتركة مع دول الجوار، من بينها عشرة عمليات خلال الربع الأول من عام 2026، وزادت مشاركتها في اجتماعات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وعززت قنوات تبادل المعلومات الأمنية مع شركائها.

نهج شامل يجمع بين الأمن والصحة العامة

إلى جانب الجانب الأمني، أطلقت الحملة رؤية ثلاثية المسارات: إنفاذ القانون، الوقاية المجتمعية، والعلاج وإعادة التأهيل. وقد بدأت وزارة الصحة، بالتعاون مع شركاء دوليين، في بناء منظومة علاجية موحدة تشمل توحيد البروتوكولات، برنامج لتدريب الكوادر، إنشاء مجلس للصحة النفسية والإدمان، وتطوير مراكز علاجية. كما أطلقت مبادرة “بوابات التعافي” عبر 13 مركزًا مجتمعيًا، بالإضافة إلى خطوط ساخنة لتقديم الدعم النفسي والاستشارات.

تشير الإدارات إلى أن القضاء على العرض لا يمكن أن يتحقق إذا استمر الطلب، وأن كسر الحلقة يتطلب تنسيقًا بين الأمن، الصحة، التعليم، والمجتمع. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة؛ فالشبكات التي نشأت خلال سنوات الفوضى تمتلك موارد مالية ولوجستية قوية، وتستغل أساليب تهريب متطورة مثل الطائرات المسيّرة ووسائل إخفاء معقدة.

لذا تعلن دمشق عن تركيز المرحلة المقبلة على تحديث البنية التقنية، تعزيز الاستخبارات الجنائية، توطيد التعاون مع الإنتربول والمنظمات الدولية، وتوسيع عمليات مكافحة المخدرات متعددة الأطراف.

في الختام، لا تبدو المعركة الحالية مجرد صراع ضد المخدرات، بل محاولة لإغلاق أحد أكثر ملفات الفترات السابقة كلفة على سوريا والمنطقة. فالدولة التي طالما وُصفت بأنها جزء من المشكلة، تسعى الآن لتثبت أنها أصبحت جزءًا من الحل. إذا نجحت هذه الجهود في ترسيخها مؤسسيًا، فإنها لن تغير فقط صورة سوريا، بل ستعيد رسم دورها في معادلة الأمن الإقليمي والعالمي.