ليس كل ما نخسره يغادر حياتنا فعلياً في البداية، بل إن بعض الأمور تفقد مكانتها في قلوبنا قبل أن نفقدها في الواقع. وهذا بالضبط ما يفعله الاعتياد، ذلك السارق الصامت الذي لا ينتزع النعم من بين أيدينا، بل ينتزع إحساسنا بقيمتها حتى تصبح جزءاً عادياً من تفاصيل يومنا، فلا نلتفت إليها إلا بعد غيابها.
شغف بالنقص وغفلة عن الوفرة
الإنسان بطبيعته يسعى وراء ما ينقصه، لكنه نادراً ما يتأمل ما يملكه، وهذه حقيقة غائبة عن الكثيرين. وما إن تتحول النعمة إلى أمر مألوف، حتى تتراجع دهشته بها ويقل امتنانه لها، وكأن استمرارها حق مكتسب لا يستوجب الشكر. وهكذا يظل الإنسان منشغلاً بما يتمنى، بينما يغفل عما كان يتمناه يوماً وأصبح يعيشه اليوم، وهذا ما يجعل شعوره بالأشياء الثمينة سطحياً.
نعم يراها البعض حلماً ويعيشها الآخر كروتين
كم من شخص يتذمر من تفاصيل حياته، وهو يمتلك ما يحلم به غيره ويتمناه. يشتكي من روتين أسرته وينسى أن هناك من يتمنى دفء بيت لا يجده. ويتأفف من ازدحام عمله بينما يقضي غيره أيامه باحثاً عن فرصة تمنحه كرامة الكسب. ويضيق بصحة اعتادها، حتى إذا زار المرض جسده أدرك أن العافية كانت من أعظم النعم التي مر بها دون أن يمنحها ما تستحق من تقدير وشكر وامتنان.
العلاقات الإنسانية في دائرة الخطر
ولا يقف أثر الاعتياد عند النعم المادية، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية، فنعتاد وجود الوالدين والإخوة والأصدقاء ومن نحب، حتى نظن أنهم سيبقون دائماً في أماكنهم لا يرحلون ولا نفقدهم، فتقل كلمات الامتنان وتتأخر مشاعر التقدير ويؤجل الإنسان عبارات المحبة إلى وقت يظنه مناسباً، فيكون هذا كتماناً سلبياً للمشاعر، غير مدرك أن الحياة لا تمنح أحداً وعداً باستمرار الأشياء كما هي.
غياب النعمة يكشف قيمتها
ومن المفارقات المؤلمة أن الإنسان لا يكتشف قيمة كثير من النعم إلا بعد أن تغيب، عندها يستعيد تفاصيل كان يمر بها دون اكتراث ولحظات يعيشها يظنها اعتيادية، ويتمنى لو عاد الزمن ليعيشها مرة أخرى، لا لأنها كانت استثنائية، بل لأنه أدرك متأخراً أنها كانت نعمة لم يحسن رؤيتها وشكرها. ولذلك فإن الامتنان ليس مجرد خلق جميل، بل مهارة في مقاومة الاعتياد والتعايش معه، أن تتوقف بين حين وآخر وتنظر إلى حياتك بعين مختلفة فتسأل نفسك: ماذا لو استيقظت غداً وقد فقدت بعض ما أملكه اليوم؟ ماذا لو فقدت من أحبهم وكانوا أقرب الناس لي؟ ستكتشف أن كثيراً مما كنت تعده عادياً كان في الحقيقة استثنائياً وعظيماً في حياتك.
إننا لا نحتاج دائماً إلى مزيد من النعم بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الوعي بها. فليس الفقر الحقيقي أن تقل الأشياء في حياتنا، بل أن تقل قدرتنا على الشعور بقيمتها واستدراك أهمية وجودها. وما أكثر الذين يعيشون في وفرة لكنهم يشعرون بالنقص، لأن أعينهم اعتادت ما بين أيديهم وقلوبهم انشغلت بما ليس عندهم.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان مع نفسه أن يقاوم اعتياده قبل أن يقاوم فقده، وأن يشكر قبل أن يندم، وأن يقدّر قبل أن يفتقد، وأن يعيش تفاصيل حياته بوعي من يدرك أن النعم لا تُقاس بكثرتها بل بقدر ما تمنحه من سكينة ورضا وتقبل وشكر. فالحياة لا تبخل علينا دائماً، لكن الاعتياد كثيراً ما يحجب عنا جمالها، حتى إذا رحلت بعض نعمها أدركنا أننا كنا نعيش أياماً تمنيناها يوماً ولم نحسن الاحتفاء بها. لذا اعتد ما تعيشه قبل أن تفقده، وتعايش مع كل النعم التي حولك فأنت تعيش الخير والنعم التي يتمناها غيرك ويطلبها من يفقدها. فالحمد لله على كل ما أعطى ووهب.






