عاجل
٢٦ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 12 يوليو 2026
الرياض +19°C

عسير: وجهة تتجدد بكل زيارة وتقدم تجربة سياحية عالمية

12/07/2026 03:01

من زيارة صيفية إلى قرار العودة

في الصيف الماضي غيرت رحلتي إلى عسير كثير من الصور التي كنت أحملها عن المنطقة، وما أن انتهت الرحلة حتى أصبح التفكير في العودة هذا العام أمرًا طبيعيًا، ليس بحثًا عن طقس معتدل أو ضباب يعلو الجبال، بل رغبة في مواصلة استكشاف أرض تتجدد في كل زيارة.

مناظر طبيعية وتراث متجدد

من متنزه السحاب المطل على مدينة أبها إلى قمم السودة التي تلامس الغيم، مرورًا بقرى ومراكز بللحمر وبللسمر ثم الطريق الذي يمتد شمالًا نحو تنومة والنماص وبلقرن، شعرت كأنني لا أتنقل بين Provinces بل أعبر فصولًا من لوحة وطنية واحدة، تتغير تفاصيلها بينما يبقى جمالها ثابتًا.

نموذج تنموي يحترم الهوية والبيئة

ما يلفت الانتباه اليوم ليس فقط جمال الطبيعة، فهذا ميراث geografic قدمته المنطقة منذ آلاف السنين، بل قدرة المواطن السعودي على تحويل هذا الميراث إلى تجربة سياحية متكاملة عالمية. في القرى التراثية وعلى قمم الجبال وفي المنتجعات الريفية يرى الزوار من جنسيات متعددة ثقافة وهوية سعودية أصيلة استطاعت أن تثبت حضورها بثقة، ما يعكس مكانة المملكة على خارطة السياحة العالمية.
هذا التحول لم يأتِ من صدفة، بل هو ثمرة رؤية وطنية أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان والمكان معًا. ما تحقق في عسير يقدم مثالًا متقدمًا للتنمية التي تحترم الهوية وتعطي الطبيعة دور البطولة بدلاً من أن تنافسها.
بينما فقدت وجهات كثيرة حول العالم جزءًا من شخصيتها تحت ضغط العمران، اختارت عسير أن تجعل الحجر والطين وأشجار العرعر جزءًا من تجربة الرفاهية، لتظل أصالتها حاضرة في كل زاوية.

مشروع قمم السودة والتنمية المستدامة

ويظهر هذا التفكير بوضوح في مشروع قمم السودة، حيث لم يكن الهدف إقامة مدينة فوق الجبال، بل تصميم تجربة سياحية تتناغم مع الجبل وتحافظ عليه. تخصيص نسبة ضئيلة جدًا للبناء مقابل الحفاظ على المساحات الطبيعية يعكس فهمًا عميقًا لمعنى التنمية المستدامة ويؤكد أن حماية البيئة أصبحت جزءًا أصيلًا من فلسفة التنمية السعودية.

خدمات وبنية تحتية ورقمنة

ولم تقتصر النهضة على المشهد الطبيعي فقط، بل امتدت إلى الخدمات والبنية التحتية والتحول الرقمي، فأصبحت تجربة الزائر أكثر سلاسة بدءًا من التخطيط للرحلة وحجز الفعاليات وصولًا إلى التنقل بين المحافظات عبر شبكة طرق متطورة وخدمات متكاملة تعكس حجم العمل المنفذ وفق أعلى المعايير.

هوية محفوظة ووصول عالمي

الأجمل من كل ذلك أن عسير لم تسعَ إلى العالمية بالتخلي عن هويتها، بل وصلت إليها لأنها تمسكت بها. حافظت على موروثها وفنونها وعمارتها الحجرية وكرم أهلها، ثم قدمت ذلك كله للعالم بصورة حديثة تليق بوطن يقود واحدة من أكثر التجارب التنموية طموحًا على الكوكب.
عدت إلى عسير هذا العام فوجدتها أكثر نضجًا واتساعًا وجاذبية. هناك لا تشعر أنك تزور منطقة سياحية فحسب، بل تشهد قصة نجاح وطنية تتجدد أمام عينيك وتدرك أن الاستثمار في الإنسان والمكان قادر على صناعة مستقبل يليق بطموحات المملكة.
عسير اليوم ليست مجرد غيم يلامس القمم ولا مطرًا ينعش الصيف، بل عنوان لوطن استطاع أن يحول جمال الجغرافيا إلى قصة نجاح عالمية، وأن يجعل من كل زيارة وعدًا بالعودة من جديد.