عاجل
٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ| الخميس، 9 يوليو 2026
الرياض +18°C

ثمن الصمت: كيف سرق الهاتف الجوال دفء المجالس العائلية واللقاءات الاجتماعية

09/07/2026 03:01

في زمن لم يكن الهاتف الجوال قد اقتحم منازلنا بعد، كانت الأسر تجتمع في غرفة المعيشة، تتبادل أطراف الحديث، وتتابع البرامج التلفزيونية، وتستمع إلى الإذاعة، وتناقش قضاياها اليومية في جو يسوده الانسجام والراحة. لكن مع دخول هذا الجهاز الصغير إلى حياتنا، بدأ يسرق شيئاً فشيئاً كل ما كان يشكل نسيج العلاقات الأسرية: سرق وقت التلفاز، وسرق دور الساعة، وألغى وظيفة التقويم، والأهم من ذلك كله، سرق الوقت نفسه الذي لا يقدر بثمن، وسلب متعة الجلوس العائلي الحقيقي.

صمت يخيم على البيوت

أصبح المشهد مألوفاً: أفراد الأسرة الواحدة — الأب والأم والأبناء — كل منهم ممسك بهاتفه يتصفحه لساعات تمتد من ثلاث إلى أربع ساعات متواصلة دون أن يشعر بمرور الزمن. صمت مطبق يخيم على المكان، حيث لا حديث ولا نقاش ولا تبادل للنظرات. لم يقتصر الأمر على المنازل فقط، بل امتد ليطال الطلاب، فسرق الهاتف أوقات نومهم، وسلبهم متعة الطفولة الحقيقية: ساعة اللعب البريء، والترفيه المشترك، والحركة التي تملأ الحياة بهجة.

مجالس بلا روح

حتى في تجمعات الرجال، اختفى ذلك الدفء القديم. لم تعد المجالس تعج بالحديث الحي أو النقاشات الجادة حول موضوع معين. الهاتف الجوال سرق قيمة تلك اللقاءات التي كانت فيما مضى بمثابة مدرسة حياة حقيقية: فيها يتعلم الصغير من تجارب الكبير، ويقدم الكبير النصح والإرشاد، وتتبادل الأفكار والخبرات، فتخرج أجيال تعرف كيف تعيش الحياة كما هي. اليوم، كل ذلك اختفى ببساطة، وصار التواصل بين الناس يتم عبر الرسائل النصية.

تراجع الزيارات وغياب العيون

صحيح أن الرسائل قد تؤدي الغرض في نقل المعلومة أو إيصال التحية، لكنها لا تعادل أبداً زيارة حقيقية، ولا يمكنها أن تعوض لقاء العين بالعين، ذلك الإحساس الذي يولد الألفة والثقة. وقد عانى الشاعر الذي يروي هذه القصة من أثر هذه الظاهرة بنفسه، إذ حضر قبل بضع سنوات أمسية شعرية كان أحد الشعراء يلقي فيها أبياتاً اجتماعية تحمل حكماً ونصائح قيمة. وفجأة، لاحظ أن أغلب الحاضرين منشغلون بتصفح هواتفهم، حتى أن بعضهم رفع صوت مقاطع الفيديو التي يشاهدها دون أدنى مراعاة للموقف. فتوقف الشاعر عن إلقاء قصيدته، وقال متسائلاً: «كيف أستطيع أن أكمل والبعض على هذه الحالة؟».

قصيدة تعبر عن الألم

في ختام تلك الأمسية، ألقى الشاعر أبياتاً تعبر عن حسرته على ما آلت إليه الأحوال، يقول فيها:

يا ناس وش سوى بنا اليوم وتس اب
يالله دخيلك من صروف المقادير
يثني رقاب الناس والروس تنكب
والكل منهم ما يحسب وش يصير

حتى المجالس صار فيها يقرب
من عقب ماهي للرجال المناعير
هذاك يرسل له رساله ويكتب
وهذا يتابع مقطعٍ فيه تصوير

والطفل من صغره عليها تدرب
حتى معه آيباد يوم انه صغير
ياليت سخرناه في طاعة الرب
إن كان صرنا في سعاده وفي خير

ما يدري الإنسان إنه يحاسب
من خالقٍ ما يظلم الناس قطمير
يالله يا رحمن نرجي ونطلب
منك العفو تغفر لنا كل تقصير

وصلاة ربي عد ما طار أو دب
على محمد عد ما غرد الطير