عاجل
٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ| الخميس، 9 يوليو 2026
الرياض +19°C

القراءة بالمشاهدة: كيف يعيد الفيديو القصير تشكيل الوصول إلى المعرفة

09/07/2026 01:01

ظاهرة القراءة بالمشاهدة

في عصر لا يفارق الهاتف الذكي يد مستخدمه، تغيرت طريقة وصول كثير من الناس إلى المعرفة. فلم يعد اقتناء كتاب وقراءته من الغلاف إلى الغلاف هو المسار الوحيد لاكتساب الأفكار؛ بل باتت دقائق معدودة على منصات الفيديو كافية لشريحة واسعة للتعرف إلى مضمون كتاب، أو فكرة فلسفية، أو نظرية علمية، أو سيرة شخصية مؤثرة. هذا التحول أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ”القراءة بالمشاهدة”، حيث أصبح المحتوى المرئي المختصر منافسًا حقيقيًا للقراءة التقليدية، ليس لأنه يقدم نفس المعرفة، بل لأنه يعيد تقديمها بأسلوب يتماشى مع إيقاع الحياة المعاصرة.

العوامل وراء التحول

هذا التغيير لم يحدث فجأة؛ بل هو نتيجة تراكم تحولات في أنماط الحياة واستهلاك المحتوى. فقد جعلت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي الوصول إلى المعلومة أسرع من أي وقت مضى، كما دفعت المنافسة على جذب انتباه المستخدمين إلى إنتاج محتوى أكثر اختصارًا وسرعة. وفي هذا الإطار، وجدت الكتب طريقها إلى الشاشة بصورة مختلفة؛ فلم تُقرأ صفحاتها بالضرورة، بل أصبحت تُختصر في مقاطع لا تتجاوز دقيقة أو بضع دقائق، تقدم أبرز الأفكار والاقتباسات والاستنتاجات.

وجهات نظر المؤيدين والمعارضين

يرى المؤيدون أن اختصار الكتب لا يعني بالضرورة التقليل من قيمته، بل قد يكون وسيلة فعّالة لنشر الثقافة بين شرائح لم تكن تقرأ أصلًا. فالفيديو المختصر يستطيع أن يلفت الانتباه إلى كتاب ربما لم يكن سيصل إلى هذا الجمهور، ويحفّز بعض المشاهدين على العودة إلى النص الأصلي لاستكشافه بصورة أعمق. كما أن هذا المحتوى يسهم في تبسيط موضوعات معقدة مثل الفلسفة أو الاقتصاد أو علم النفس، ويجعلها أقرب إلى المتلقي. ويشيرون إلى حالات عديدة شهدت ارتفاعًا في مبيعات كتب بعد انتشار مراجعاتها على المنصات الرقمية، ما يدل على أن المحتوى المرئي لا يحل دائمًا محل القراءة، بل قد يعمل أحيانًا كبوابة إليها، خاصة لدى الأجيال الأصغر التي اعتادت تلقي المعلومات بصريًا.

في المقابل، يحذّر المنتقدون من اعتبار ملخص الكتاب بديلًا عنه، لأن الكتاب ليس مجرد مجموعة أفكار قابلة للاختزال؛ بل تجربة متكاملة تشمل أسلوب الكاتب، وتسلسل حججه، وبناءه الفكري، واللغة التي صاغ بها عمله. فحين يُختزل كتاب من ثلاثمئة صفحة في ثلاث دقائق، فإن كثيرًا من التفاصيل والسياقات تضيع، وقد تُفهم بعض الأفكار خارج الإطار الذي أراده المؤلف. ويضيف متخصصون في التربية والثقافة أن القراءة المطولة لا تنقل المعلومات فحسب، بل تنمي أيضًا مهارات التركيز والتحليل والتأمل وربط الأفكار، وهي مهارات يصعب أن توفرها المقاطع السريعة التي تعتمد غالبًا على الإيقاع المتسارع والانتقال المستمر بين الموضوعات. كما أن الاعتماد المتزايد على المحتوى المختصر قد يعزز الميل إلى استهلاك المعرفة بصورة مجزأة، حيث يحصل المتلقي على عناوين وأفكار عامة دون التعمق في تفاصيلها.

استجابة الناشرين ومستقبل الثقافة

ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بصراع مباشر بين الكتاب والفيديو، بل بتغير في طريقة الوصول إلى المعرفة. فكما لم تقضِ الصحف على الكتب، ولم يقضِ التلفزيون على الصحف، يبدو أن الفيديوهات المختصرة لم تُنهِ القراءة، وإنما دفعت دور النشر والكتّاب والمؤسسات الثقافية إلى إعادة التفكير في طرق الوصول إلى الجمهور. ولهذا بدأت كثير من دور النشر في توظيف المنصات الرقمية للتعريف بإصداراتها، من خلال إنتاج مقاطع قصيرة تستعرض فكرة الكتاب أو تقدم لمحة عن مؤلفه، كما اتجه عدد من الكتّاب إلى الظهور عبر حساباتهم الشخصية للحديث عن أعمالهم، والإجابة عن أسئلة القراء، وتقديم محتوى يواكب طبيعة المنصات الحديثة، في محاولة لبناء جسور جديدة مع الجمهور. كما أسهم هذا التحول في بروز جيل جديد من صنّاع المحتوى الثقافي، الذين لم يكتفوا بعرض الكتب، بل ابتكروا أساليب متنوعة لتقديمها تجمع بين السرد البصري، والرسوم التوضيحية، والاقتباسات، والحوارات، مما جعل الثقافة أكثر حضورًا في الفضاء الرقمي، وأتاح لها الوصول إلى جمهور لم يكن يتابع الصفحات الثقافية أو يزور المكتبات بانتظام.

وبالرغم من ذلك، تبقى القراءة التقليدية مختلفة في طبيعتها وأثرها. فالكتاب يمنح القارئ فرصة التوقف وإعادة القراءة والتأمل، بينما يدفع المحتوى السريع المستخدم غالبًا إلى الانتقال مباشرة إلى المقطع التالي. ولهذا يرى كثير من الباحثين أن المشاهدة قد تكون مدخلًا جيدًا للمعرفة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الذهنية التي توفرها القراءة المتأنية.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن مستقبل الثقافة لن يُحسم لصالح طرف على حساب آخر، بل سيقوم على التكامل بين الوسيلتين. فالفيديو المختصر قد يثير الفضول، ويعرّف الجمهور بالأعمال الجديدة، ويشجع على اكتشاف موضوعات لم تكن ضمن اهتماماتهم، في حين يبقى الكتاب المساحة التي تمنح الفكرة عمقها الحقيقي، وتتيح للقارئ بناء فهم متكامل بعيدًا عن الاختزال. وبين شاشة لا تستغرق دقائق معدودة، وكتاب يحتاج ساعات وربما أيامًا لإنهائه، تتشكل اليوم علاقة جديدة مع المعرفة. وهي علاقة لا تلغي القراءة، لكنها تعيد تعريف الطريق المؤدي إليها، وتطرح سؤالًا ثقافيًا مهمًا حول الكيفية التي سيتعلم بها الجيل القادم، وما إذا كانت المشاهدة ستظل مجرد بوابة إلى الكتاب، أم أنها ستصبح بالنسبة إلى كثيرين الوجهة النهائية。