عاجل
٢٠ محرم ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 6 يوليو 2026
الرياض +16°C

أخلاقيات المهنة ترافق الطبيب خارج العيادة

06/07/2026 07:02

الإعلام امتداد للممارسة الصحية

أصبح الإعلام اليوم جزءاً لا يتجزأ من عمل الممارس الصحي، فليس اللقاء يقتصر على العيادة بل يمتد إلى الشاشات ومنصات التواصل والبودكاست والفيديوهات القصيرة. يستطيع practitioner أن يرفع الوعي الصحي للمجتمع ككل كما كان يفعل مع مريض فرد، وهذا تطور إيجابي يستحق الدعم لأن الجمهور يحتاج إلى صوت علمي موثوق في بيئة تمتلئ بالمعلومات المتضاربة والشائعات والنصائح غير المستندة إلى الأدلة.

التحديات الأخلاقية للظهور الرقمي

لكن هذه الفرصة تجلب معها مسؤوليات جديدة، فالإعلام بطبيعته يفضل الرسائل السريعة والجذابة بينما الطب يقوم على الدقة والتوازن وشرح الاحتمالات. ما يجذب انتباه الجمهور ليس دائماً ما يعكس حقيقة العلم. وخوارزميات المنصات الرقمية تميل إلى مكافأة المحتوى الأكثر إثارة وليس الأكثر دقة، مما يضع الممارس الصحي أمام سؤال حقيقي: كيف يقدم رسالة واضحة ومؤثرة دون أن يبسط الحقيقة العلمية أو يبالغ في تبسيطها؟

ربما لا يكمن التحدي في اختلاف المعلومات بل في اختلاف طريقة تقديمها. ما يقال داخل غرفة الكشف بلغة دقيقة ومتوازنة قد يُعاد صياغته على المنصات بصورة أكثر حسمًا أو إثارة لجذب الانتباه. الحقائق العلمية لا تتغير لكن أسلوب عرضها قد يتغير، وهذا التغيير قد يكون كافياً لإحداث تأثير مختلف تماماً على فهم الجمهور وقراراتهم الصحية.

من الأسئلة الحساسة ما يتعلق بالطبيب نفسه؛ فمن الطبيعي اليوم أن يسعى الممارس الصحي لبناء حضور مهني وتعريف الناس بخبراته أو بمركزه الصحي أو الخدمات التي يقدمها. هذا بحد ذاته ليس مشكلة وقد يساعد المرضى على الوصول إلى المزود المناسب. غير أن القيمة الأخلاقية لا تكمن في وجود التسويق بل في طريقة ممارسته؛ ففرق كبير بين أن يعرف المجتمع بخبراته ومجال عمله وبين أن تتحول منصاته إلى مساحة للمبالغة أو إثارة المخاوف أو تقديم وعود علاجية غير واقعية أو تفضيل الجاذبية التسويقية على الأمانة العلمية. ويتضمن التحدي أيضاً الإفصاح عن أي علاقة مالية أو مصلحة تجارية عند الحديث عن منتج أو خدمة، فهذا جزء من حق الجمهور في تقييم الرسالة ومن متطلبات الشفافية التي تعزز الثقة ولا تنقصها.

المسؤولية المشتركة والحفاظ على الثقة

يكتمل المشهد الأخلاقي بوجود متلق أكثر وعياً؛ فالشريك في هذه المنظومة هو المجتمع، وكلما ارتبطت الثقة بعدد المتابعين أو جودة الإنتاج أو شهرة المنصة أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهنية والدليل العلمي، أصبحت البيئة الإعلامية تحفز على الرسائل التي تجذب الانتباه أكثر مما تعزز المعرفة. لذلك فإن رفع الوعي الصحي لا يقتصر على تصحيح المعلومات بل يشمل تمكين الناس من تقييم مصادرها والتمييز بين المعلومة الطبية الموثوقة والمحتوى الذي يكتسب تأثيره من أساليب العرض أكثر من قوته العلمية.

هنا تصبح أخلاقيات المهنة الحد الفاصل؛ فالطبيب لا يفقد صفته المهنية عندما يغادر العيادة، ولا تتغير مسؤولياته الأخلاقية عندما يقف أمام الكاميرا. المبادئ التي تحكم علاقته بالمريض داخل غرفة الكشف يجب أن تحكم كل كلمة يقولها علناً: الصدق، الشفافية، الاستقلالية، احترام الدليل العلمي، وتقديم مصلحة المريض والمجتمع على أي اعتبارات أخرى. لذا فإن النقاش حول ظهور الممارسين الصحيين في الإعلام لا يجب أن يبدأ بالسؤال: هل يظهر الطبيب في الإعلام أم لا؟ بل بالسؤال الأهم: كيف يظهر؟

الهدف ليس الحد من حضور الممارسين الصحيين بل تمكينهم من أداء هذا الدور وفق إطار أخلاقي واضح يحمي المجتمع من التضليل ويحافظ على مكانة المهنة ويمنح الممارس الصحي الثقة بأن خطابه العلني امتداد لرسالته المهنية.

غيرت وسائل التواصل الاجتماعي المكان الذي تقال فيه الكلمة الطبية لكنها لم تغير قيمتها ولا تخفف من مسؤولية قائلها. وإذا انتقل الطبيب من غرفة الكشف إلى المنصات الرقمية، فيجب أن تنتقل أخلاقيات المهنة معه بالوضوح نفسه.

ربما لا نحتاج إلى أخلاقيات مهنية جديدة بقدر ما نحتاج إلى إعادة قراءة الأخلاقيات القائمة في ضوء الواقع الجديد. فالأدوات تغيرت والمنصات تطورت، لكن المبادئ التي تحفظ كرامة المهنة وتصون ثقة المجتمع لا ينبغي أن تتغير. المسؤولية التي يحملها الطبيب أمام مريض واحد هي نفسها التي يحملها أمام ملايين المتابعين؛ لأن أخلاقيات المهنة لا تنتهي عند باب العيادة، بل ترافق الطبيب أينما وصل صوته وأي كانت المنصة التي يخاطب الناس من خلالها.