في مقالة سابقة نشرت في جريدة الوطن بتاريخ 02 سبتمبر 2024 تحت عنوان “البحث العلمي مفتاح تنويع الموارد الاقتصادية”، تناولنا تعريف البحث العلمي والابتكار وأبرز دورهما في تعزيز التنمية وتحويل الابتكارات إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية مستدامة، مع ربطها بالاحتياجات التنموية للبلاد.
ضرورة استثمار أكبر في منظومة البحث والابتكار
مع تسارع التحولات العالمية في مجالات البحث والابتكار وجودة النتائج التقنية، تبرز الحاجة إلى تعزيز الاستثمار في منظومة وطنية شاملة للبحث والتطوير. لا يقتصر هذا الاستثمار على إنتاج المعرفة لأغراض أكاديمية أو للبرستيج، بل يبدأ باكتشاف المواهب الوطنية ورعايتها، وتطوير رأس المال البشري، وتوفير مصادر تمويل متعددة، وإجراء بحوث أساسية وتطبيقية، ثم تحويل النتائج إلى منتجات وتقنيات تجارية، وصولاً إلى إنشاء شركات ناشئة تدعم تنويع موارد الاقتصاد الوطني وتثبت مفهوم الاقتصاد القائم على المعرفة.
البحث والابتكار كأساس للأمن الاقتصادي والسيادة التقنية
أصبحت أنظمة البحث والتطوير والابتكار من أهم ركائز الأمن الاقتصادي والسيادة التقنية، وتعد مؤشراً رئيسياً لتحديد تنافسية الدول. وتؤكد التجارب الدولية أن الدول المتصدرة في مؤشرات الابتكار لا تعتمد على مواردها الطبيعية فحسب، بل نجحت في وضع سياسات استراتيجية مترابطة ورؤية طويلة الأمد لهذه الأنظمة.
تغيّر معايير تقييم الأداء البحثي
لم يعد قياس أداء الدول في مجال البحث والتطوير يقتصر على عدد الأوراق العلمية المنشورة، بل توسّع ليشمل جودة النتائج وتأثيرها التطبيقي، وعدد براءات الاختراع، ونقل التقنية، ونسبة الإنفاق على البحث، وريادة الأعمال، والاستثمارات الجريئة، وعدد الشركات الناشئة المعتمدة على المعرفة والابتكار. هذا التحول يعكس الانتقال من قياس إنتاج المعرفة التقليدي إلى قياس أثرها الاقتصادي والتنميوي.
الجهود الوطنية لتعزيز منظومة البحث والابتكار
نحن في وطننا المبارك نؤمن بأن عقول أبنائنا وبناتنا هي الأساس لبناء اقتصاد معرفي مزدهر قادر على تحويل نتائج البحث والابتكار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. وقد تجسّدت هذه القناعة في دعم غير مسبوق من القيادة الرشيدة، التي أطلقت استراتيجيات وطنية، وطورت الأطر التنظيمية، وحددت الأولويات الوطنية، وعملت على تحسين البيئة التشريعية، لتجعل من بلادنا مركزاً إقليمياً وعالمياً للعلوم والتقنية.
في هذا الإطار، تبرز مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية كركيزة أساسية ساهمت على مدى الخمسين عاماً الماضية في استثمار الفكر والعقل السعودي، ودعم البحث والتطوير والابتكار، وتمكين نقل التقنية، وتعزيز التعاون بين الجهات البحثية والقطاعين العام والخاص. كما أسهمت في بناء شراكات علمية دولية وتمثيل المملكة في عدد من المجالس والهيئات الدولية المتخصصة، ما عكس صورة إيجابية للمملكة على الساحة العالمية.
تلعب هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار دوراً محورياً في تحقيق هدفها المتمثل في تنمية الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار وزيادة إنتاجيته وتنافسيته عالمياً. ومن منظور آخر، تبرز مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع في اكتشاف ورعاية الموهوبين، وتأهيلهم علمياً وفنياً، وتمكينهم من تمثيل الوطن في مسابقات ومحافل دولية، مما أسهم في إبراز نماذج شابة سعودية متميزة في مجالات العلوم والهندسة.
إن رعاية المواهب لا ينبغي أن تنتهي بمجرد الحصول على الجوائز الدولية؛ بل يجب أن تستمر لتأمين مسارات علمية ومهنية تمكنهم من مواصلة الإبداع. وتؤكد الجامعات السعودية دورها كشريك أساسي ليس فقط كمؤسسات تعليمية، بل كمراكز خبرة علمية، وحاضنات للمواهب، ومصادر للابتكار.
على الصعيد الدولي، حققت المملكة تقدماً ملحوظاً في مؤشرات البحث والتطوير والابتكار والاقتصاد الرقمي، ما يدل على نجاح البيئة التنظيمية والاستثمارات الوطنية في جذب الأنشطة البحثية. ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا التقدم يتطلب استمرارية الدعم وتطوير المنظومة، والانتقال من مرحلة بناء الإمكانات إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للنتائج.
رغم أن التمويل الحكومي يبقى ركيزة أساسية، فإن التجارب العالمية توضح أن استدامة التمويل تتطلب تنوعاً في مصادره؛ من دمج الموارد الحكومية مع مساهمات القطاع الخاص، والمؤسسات غير الربحية، والصناديق الوقفية، والهبات، والمنح البحثية، وإتاحة الفرصة لرجال وسيدات الأعمال للمساهمة في دعم البحث والتطوير.
في الختام، تمتلك المملكة جميع المقومات اللازمة لتصدّر في مؤشرات الأداء العالمية، بفضل الأمن والاستقرار السياسي، والنمو الاقتصادي، والبيئة الاجتماعية الديموغرافية، والثقافة التنظيمية، ورأس المال البشري السعودي، والميزة التنافسية، والدعم اللوجستي وسهولة الوصول إلى الموارد.






