تعريف الظاهرة وأصلها
يشتري كثيرون كتبًا ليس لأنهم جاهزون لقراءتها الآن، بل لأنهم يخشون أن تفوتهم فرصة اللقاء بها في المستقبل. يحملون هذه الكتب إلى بيوتهم، ويضعونها على الرفوف، ويتأملون عناوينها وأغلفتها، ثم يتركونها هناك على أمل أن يقترب وجودها من تقليل القلق أمام اتساع العالم وضيق ما نعرفه عنه. يتكرر هذا المشهد في معارض الكتب حيث يغادر القارئ محملًا بالأكياس، يشعر بنشوة امتلاك ما كان ينقصه، ثم يعود إلى المنزل ويرتب مشترياته ويعد نفسه ببدء القراءة قريبًا، لكن الأيام تمر وتتراكم الكتب بينما يبقى الوعد معلقًا بين الرف والزمان.
سمّوا اليابانيون هذه العادة بـ”تسوندوكو” (Tsundoku)، وهو مصطلح يصف شراء الكتب وتركها تتكدس دون قراءة. الظاهرة لا تعني بالضرورة كسلًا ثقافيًا؛ بل تكشف عن علاقة أكثر تعقيدًا بين الإنسان والكتاب. نحن لا نشتري دائمًا ما نحتاج إلى قراءته الآن، بل ما نتمنى أن نقرأه يومًا، وما نأمل أن يصبحنا من خلاله.
الدافع النفسي وراء تراكم الكتب
عند شراء كتاب في الفلسفة أو التاريخ أو الأدب أو علم النفس، لا يكتسب المرء محتواه فقط، بل يكتسب احتمالًا جديدًا لنفسه: احتمال أن يصبح أكثر معرفة، أو أقل حيرة، أو أقدر على فهم العالم. لهذا يمنح act of acquisition شعورًا سريعًا بالرضا حتى قبل أن تُقرأ الصفحة الأولى؛ إذ يبدو الشراء خطوة باتجاه المعرفة بينما الرحلة الحقيقية لا تبدأ إلا بفتح الكتاب. الشراء فعل سريع، أما القراءة فتطلب وقتًا وصبرًا وعزلة واستعدادًا للبقاء طويلًا أمام فكرة واحدة.
ربما لا نختار الكتب التي تعبر عن هويتنا الحالية، بل الكتب التي تشبه الشخص الذي نريد أن نصبحه. المكتبة الشخصية لا تسجل فقط ما قرأناه، بل تسجل ما أردنا قراءته، والأفكار التي أثارت فضولنا، والأسئلة التي تمنينا أن نجد لها إجابة. إنها سيرة غير مكتملة لصاحبها: جزء منها عاشه فعلًا، وجزء آخر لا يزال ينتظر أن يتحول من احتمال إلى تجربة.
المكتبة كمرآة للهوية والتحديات الحديثة
في السنوات الأخيرة اكتسبت المكتبة المنزلية وظيفة بصرية واجتماعية إضافية؛ أصبحت جزءًا من تصميم المنزل، وخلفية للقاءات الرقمية، ومشهدًا متكررًا في الصور المنشورة عبر المنصات الاجتماعية. صار الكتاب حاضرًا كعلامة على الذائقة والانتماء الثقافي، لا كوعاء للمعرفة فقط. الكتب التي نعرضها تقول شيئًا عنا أو عن الصورة التي نرغب في تقديمها للآخرين؛ قد يختار الإنسان عناوين تمثله فعلًا، وقد يختار أخرى لأنها تمثل الشخص الذي يتمنى أن يكونه.
ومع ذلك، ليس كل مكتبة مرتبة شكلًا من أشكال الاستعراض؛ فالكتاب جميل بطبيعته، وحضوره يمنح المكان روحًا خاصة. لكن السؤال يطرح عندما يصبح ترتيب الكتب غاية مستقلة، ويصبح الغلاف أكثر حضورًا من النص، والصورة أهم من التجربة. هل نريد المعرفة فعلًا أم نريد الصورة التي تمنحها المعرفة لنا؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه بعض المكتبات الصامتة؛ إذ يمكن للإنسان امتلاك علامات الثقافة دون أن يخوض مشقتها، وتحيط نفسه بالكتب دون أن تسمح لها بالاقتراب من أفكاره.
في عصر الصورة، من الممكن استهلاك مظهر الثقافة دون العيش بتجربتها: نصور الكتاب، نشارك غلافه، نقتبس منه عبارة، ونضعه في مكان ظاهر، ثم نشعر أننا اقتربنا من عالمه. لكن المعرفة لا تنتقل بالملكية، ولا يعبر الكتاب إلى داخلنا لمجرد أنه عبر باب المنزل.
بين شغف المعرفة وهوس الامتلاك
تراكم الكتب غير المقروءة يختلف عن هوس جمع الكتب؛ فالأول غالبًا ما ينشأ عن فضول معرفي حقيقي يفوق الوقت المتاح، بينما يتحول الكتاب في حالة الهوس إلى غرض للاقتناء، وتصبح ملكيته أهم من قراءته. معظم محبي الكتب يقفون بين الحالتين: يشترون بحماس، ويقرؤون ببطء، ثم يكتشفون أن عناوين تتكاثر أسرع من قدرتهم على متابعتها. هذا ليس مستغربًا؛ فكل كتاب يقود إلى كتاب آخر، وكل فكرة تفتح أبوابًا إلى أسئلة جديدة. المعرفة لا تمنح الإنسان شعورًا نهائيًا بالاكتفاء، بل تجعله أكثر وعيًا بما يجهله.
ومع ذلك، قد يتقاطع الشغف أحيانًا مع النزعة الاستهلاكية؛ فمعارض الكتب، والعروض، والتوصيات السريعة، والقوائم المتداولة، كلها تدفع القارئ إلى الشعور بأنه يجب عليه اقتناء كل عنوان يلفت انتباهه. يصبح عدم الشراء شبيهًا بخسارة فرصة معرفية، حتى وإن لم تكن هناك نية قريبة للقراءة. وهكذا يتحول الكتاب إلى وعد محفوظ على الرف، وإلى احتمال لا نريد فقده، ولو لم نعرف متى سنعيش ذلك الاحتمال.
المعرفة متاحة.. والانتباه نادر
لم يكن الوصول إلى الكتب أسهل مما هو عليه اليوم: المعارض تتوسع، والمتاجر الإلكترونية تختصر المسافات، والكتب الرقمية والصوتية تتيح خيارات لم تكن متوافرة من قبل. ومع ذلك، تبدو القراءة العميقة أكثر صعوبة. الندرة لم تعد في الكتاب، بل في الانتباه. لم يعد الكتاب ينافس كتابًا آخر فقط، بل ينافس الهاتف، والإشعارات، ومنصات البث، والمحتوى القصير، وكل ما يطالب العين والعقل باستجابة سريعة. تتوزع ساعات اليوم بين نوافذ كثيرة، حتى لا يبقى للقراءة ذلك الزمن الهادئ الذي تحتاج إليه.
نؤجل الكتاب إلى الإجازة، ونؤجل الإجازة إلى وقت أقل ازدحامًا، ثم نكتشف أن الحياة لا تفرغ نفسها لأجلنا. فالوقت المثالي للقراءة نادرًا ما يأتي؛ لأن القراءة لا تعيش في الفراغ، بل تنتزع مكانها من قلب المشاغل. ربما كانت أزمتنا المعاصرة أننا نمتلك وسائل الوصول إلى المعرفة، لكننا نفقد القدرة على المكوث معها. نريد الفكرة سريعة ومختصرة، بينما يطلب الكتاب منا أن نتباطأ، وأن نصغي، وأن نقبل بأن بعض المعاني لا تكشف نفسها من النظرة الأولى.
الكتاب بطبيعته ضد العجلة؛ فهو لا يمنح قارئه نفسه دفعة واحدة، بل يطلب منه أن يتقدم إليه صفحة بعد أخرى، وأن يشارك في بناء المعنى، لا أن يستهلكه جاهزًا.
الكتب التي تراقبنا بصمت
ينظر القارئ أحيانًا إلى رفوفه الممتلئة، فيشعر أن الكتب غير المقروءة تراقبه. يتحول كل عنوان إلى وعد لم يفِ به، وكل صفحة مغلقة إلى تذكير بما كان ينبغي إنجازه. لكن هل ينبغي أن تتحول القراءة إلى محكمة يحاكم فيها الإنسان نفسه؟ الكتاب ليس مهمة مدرسية، والمكتبة ليست قائمة إنجازات. بعض الكتب تسبق وقتها، وبعضها نشتريه في مزاج لا يستمر، وبعضها قد لا نقرأه أبدًا. وليس في ذلك خطيئة ثقافية؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعيش جميع الاحتمالات التي اختارها لنفسه.
إن شعور الذنب لا يصنع قارئًا حقيقيًا، بل قد يحول القراءة إلى عبء ثقيل. والأجدى أن ننظر إلى الكتب غير المقروءة بوصفها إمكانات مفتوحة، لا ديونًا متراكمة. ومع ذلك، هناك فرق بين التأجيل الذي يحتفظ بالرغبة، والتأجيل الذي يدفنها. المشكلة ليست أن ينتظر الكتاب، بل أن يصبح الانتظار مصيره الدائم، وأن يتحول الشراء إلى بديل نفسي عن الفعل الحقيقي. امتلاك الكتاب سهل، أما السماح له بأن يغير شيئًا فينا فهو ما يتطلب الوقت والشجاعة. القراءة ليست مرورًا على الكلمات، بل استعداد لأن نصغي إلى صوت قد يربك يقيننا، ويعيد ترتيب أسئلتنا، ويفتح في داخلنا نافذة لم تكن موجودة. إنها فعل مقاومة للسرعة، والتشتت، والأفكار الجاهزة؛ أن نخرج من الصفحة أقل اطمئنانًا مما دخلنا إليها، لكن أكثر اتساعًا.
ماذا تقول الكتب التي لم نفتحها؟
ربما تقول إن رغبتنا في المعرفة أكبر من أعمارنا، وربما تذكرنا بأننا اشترينا أحلامًا أكثر مما استطعنا أن نعيش. وربما تكشف أن الإنسان لا يجمع الكتب وحدها، بل يجمع الاحتمالات؛ ففي كل كتاب حياة كان يمكن أن يفكر فيها بطريقة أخرى، وسؤال كان يمكن أن يقوده إلى مكان مختلف. إنها لا تطالبنا بأن نقرأها جميعًا، فهذا مستحيل، لكنها تسألنا عن طبيعة علاقتنا بها: هل نقتنيها كي نمنح أنفسنا صورة القارئ، أم لأننا ما زلنا نؤمن بأن فكرة واحدة قد تغير مسار حياة كاملة؟
لا تحتاج علاقتنا بالكتب إلى المزيد من التأنيب، بل إلى قدر من الصدق؛ أن نشتري ما نرغب في قراءته حقًا، وأن نمنح الكتب التي اخترناها فرصة لأن تتجاوز الرف إلى حياتنا. فأجمل المكتبات ليست الأكثر امتلاءً، بل الأكثر حياة؛ تلك التي تظهر على كتبها آثار الأيدي، وخطوط الأقلام، وانثناءات الصفحات، وتلك التي لم تعد عناوين صامتة، بل تحولت إلى أسئلة وذكريات ومواقف.
وفي النهاية، لا تُقاس قيمة المكتبة بعدد الرفوف، ولا بعدد الكتب التي نملكها، بل بعدد الأفكار التي أيقظتها فينا، والأسئلة التي غيرت زاوية نظرنا إلى العالم. فالكتاب لا يعيش على الرف، بل في العقل الذي يفكر به، وفي الروح التي تسمح له بأن يترك أثره. ولذلك، ليس السؤال الحقيقي: كم كتابًا اقتنينا؟ بل: كم كتابًا غيّر شيئًا فينا؟






