ترتبط مقولة «تحدث حتى أراك» بقصة شهيرة عن الفيلسوف سقراط، الذي استقبل في مجلسه رجلاً يرتدي حلة فاخرة ويبدو عليه الغنى والمكانة الاجتماعية. وبعد أن ترك هذا الانطباع المهيب لدى الحاضرين، خاطبه سقراط قائلاً: «تحدث حتى أراك»، في إشارة إلى أن الهيئة الظاهرة وحدها لا تعكس بالضرورة لبابة الفكر أو كياسة السلوك أو حسن السجية أو رجاحة العقل. فعندما يتحدث الإنسان، يكشف الستار عن شخصيته وعقله وطويته. فالاعتماد على المظاهر كالألقاب والحلل الفاخرة والسمعة الرائجة يمر بلحظة تمحيص فاصلة عند بدء الكلام.
الألسنة مغارف القلوب
وسواء كان اللسان أداةً تُفصح عما في مكنون العقل أو ما يعتمل في القلب، فإنه يكشف ما في باطن الإنسان من أفكار وطوايا، وما يختلج في صدره خيراً كان أم شراً. ويعلق ابن القيم على مقولة يحيى بن معاذ: «الألسنة مغارف القلوب»، في كتابه «الداء والدواء» قائلاً: (كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك)، مجلياً أهمية هذا الطرح.
كلمة عابرة تكشف المكر
ويطال الأمر أيضاً أولئك الذين يتوشحون عباءات المكر ويلوون ألسنتهم بالكلام لخداع الآخرين؛ فهؤلاء غالباً ما تنكشف سبلهم وطرائقهم من خلال كلمة عابرة لا يلقون لها بالاً، فتكشف ما يزيفونه في نفوسهم، طال الزمن أم قصر. ويقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ
وإن خالها تخفى على الناس تُعلم
ومعناه أن الإنسان مهما حاول إخفاء طباعه وسجاياه، فإنها لا تلبث أن تنكشف؛ لأن الأخلاق -في أحيان كثيرة- تظهر في الأقوال قبل الأفعال والمواقف.
الزلة الفرويدية وتفسير الكلمة العفوية
ولعل اللافت أن ما أدركه العرب قديماً بحدسهم البلاغي، حاول علم النفس الحديث تفسيره بمفاهيمه؛ إذ اشتهر عند سيغموند فرويد ما يُعرف بـ «الزلة الفرويدية» (Freudian slip)، وهي تلك الكلمة التي ينطق بها الإنسان على غير قصد، فيظنها السامع مجرد خطأ عابر، بينما يرى فرويد أنها قد تكون نافذة تتسرب منها رغبة مكتومة، أو خوف مستتر، أو فكرة ظن صاحبها أنه أحكم إخفاءها. وهذا الطرح يتوافق مع أساس الفكرة التي مفادها أن اللسان لا يلبث أن يشي بما يضمره صاحبه، وما ينطوي في أعماق النفس قد يجد طريقه إلى فضاء اللفظ.
وإذا كان فرويد قد رأى أن بعض الكلمات العفوية قد تكشف عن رغبات أو أفكار دفينة، فإن علم النفس المعاصر يدعو إلى قدر أكبر من التحفظ؛ إذ لا يُنظر إلى كل زلة لسان على أنها نافذة إلى اللاوعي، فقد تكون في بعض الأحيان نتيجة التشتت الذهني أو تشابه الألفاظ أو الإرهاق المعرفي. ومع ذلك، يبقى أصل الفكرة قائماً؛ فاللغة والكلام إنما هما نتاج منظومة كاملة من الخبرات والقيم والانفعالات التي تشكل الإنسان، وهنا ظل قول سقراط: «تحدث حتى أراك» محتفظاً براهنيته عبر القرون؛ لأن الكلام يكشف طريقة التفكير، ويعكس منظومة القيم، ويُظهر من ملامح الشخصية ما قد تعجز المظاهر عن إظهاره.
وقد قالت العرب قديماً: «المرء مخبوء تحت لسانه لا طيلسانه».






