عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

لماذا لم تغتال روسيا زيلينسكي بعد؟ قراءة في حسابات الكرملين والمخاوف من عواقب إزاحته

30/05/2026 19:02

بعد نحو أربع سنوات ونصف السنة من اندلاع الحرب في أوكرانيا، يظل السؤال الذي يثير فضول المراقبين والنخب الروسية على حد سواء هو: لماذا لم تلجأ موسكو إلى اغتيال فولوديمير زيلينسكي وتصفية رموز القيادة العسكرية والسياسية الأوكرانية؟ في تقدير بعض النخب الروسية، كان من شأن سيناريو من هذا النوع أن يضعف عزيمة المقاومة في أوكرانيا، ويفاقم الخلافات الداخلية فيها، ويضع العالم أمام استحقاق التعامل مع واقع جديد. لكن الرئيس فلاديمير بوتين لم يتخذ هذا القرار الحاسم.

بوتين وخصومه: مسار طويل من الأقدار الغامضة

الزعيم الذي يتربع على عرش الكرملين منذ 26 سنة، واجه خصومه خلال كل تلك الفترة أقداراً غامضة ومختلفة. لاحق الموت كل من وجّه سلاحه أو نشاطه السياسي ضده; من أصلان مسخادوف في الشيشان عام 2005، إلى ألكسندر ليتفينينكو في 2006، ثم بوريس بيريزوفسكي في 2013، وبوريس نيمتسوف في 2015، وصولاً إلى يفغيني بريغوجين في 2023، ثم ألكسندر نافالني في العام التالي. صحيح أنه باستثناء مسخادوف الذي قُتل خلال مواجهات عسكرية مباشرة في حرب الشيشان الثانية، فإن الكرملين تبرأ من دم كل المعارضين الآخرين. مع ذلك، بدا أن الأقدار واجهت دائماً خصوم الزعيم القوي. وهنا يبرز السؤال: لماذا لم يحسم بوتين قراره تجاه زيلينسكي حتى الآن؟ وهل يحمل التهديد الروسي الحالي بتقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا إشارات إلى تبدّل محتمل في موقف الكرملين حيال سياسة “قطع الرأس” التي طالما دعا إليها رموز معسكر “الصقور” في روسيا؟

دعوات إزاحة زيلينسكي من الصقور الروس

بدأت المطالبات بإزاحة الرئيس الأوكراني المتّهم في موسكو بأنه يقود “عصابة نازية” في وقت مبكر بعد اندلاع الحرب. عبر جزء مهم من النخب السياسية والأمنية والعسكرية عن قناعة بضرورة أن تُوجّه موسكو ضربة حاسمة تستهدف أركان القيادة الأوكرانية. ارتفعت هذه الأصوات أكثر عند منعطفات ميدانية حاسمة، أو بعد ضربات موجعة عسكرياً أو سياسياً تعرّضت لها موسكو; مثل هجوم المسيرات الذي استهدف الكرملين بشكل مباشر في عام 2023، أو عند نجاح الهجوم الأوكراني المباغت في منطقة كورسك والذي أسفر عن سيطرة القوات الأوكرانية على مساحات شاسعة داخل الأراضي الروسية، واحتاجت موسكو بعد ذلك نحو 8 أشهر ومساعدة قوية قدمتها الوحدات الخاصة في كوريا الشمالية لطرد المتوغلين داخل أراضيها. في عام 2023، وصف نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف، وهو أحد أبرز “الصقور” الذين دعوا باستمرار إلى استخدام الترسانة النووية للقضاء على “العدو”، التصفية الجسدية لزيلينسكي و”زمرته” بأنها الخيار الوحيد أمام روسيا. كانت موسكو لم تستفِق بعد من صدمة هجوم المسيرات على الكرملين، والتي صُنّفت بوصفها محاولة اغتيال مباشرة لبوتين. قال السياسي الروسي آنذاك إنه “لم يتبقَّ أي خيار سوى التصفية الجسدية لزيلينسكي وفريقه، حتى إنه ليس مطلوباً منه توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط. و(أدولف) هتلر، كما نعلم، لم يوقعها أيضاً. سيتم دائماً إيجاد بديل، لإعلان الاستسلام وتوقيعه”. في السياق نفسه، وصف رئيس مجلس النواب (الدوما) فياتشيسلاف فولودين زيلينسكي بأنه “إرهابي دولي”، وأكد أن البرلمان “سيطالب (الرئيس) باستخدام أسلحة قادرة على إيقاف وتدمير نظام كييف الإرهابي”، في إشارة إلى المطالبة باستخدام أسلحة غير تقليدية لحسم الحرب. تكرّرت هذه الدعوات كثيراً خلال الفترات اللاحقة، وشكّلت دائماً “الخيار النهائي” لإجبار أوكرانيا على السلام. لكن اللافت أن جزءاً من النخب الروسية كان يرى أن هذا السيناريو كان يجب استخدامه مباشرة في بداية الحرب، عندما جاءت النتائج الأولى بعد مرور أشهر عدة مخالفة لتوقّعات الكرملين بأن تكون الحرب خاطفة وحاسمة; أي أنه كان ينبغي عدم السماح بتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة مكّنت الأوكرانيين من حشد قدراتهم بشكل جيد، ومنحت فرصة للأوروبيين والغرب عموماً لتشكيل تحالف قوي زاد من صعوبة قرار حسم الحرب. وبهذا المعنى، فإن تأخر الكرملين في تبنّي قرار “قطع الرأس” في وقت مُبكّر جعل هذه المهمة أصعب في المراحل اللاحقة.

زيلينسكي الضعيف أفضل من زيلينسكي الميت

يرى خبراء أن إحجام الكرملين عن الحسم المباشر والسريع باستهداف القيادة الأوكرانية له أسباب عدة; منها تجارب روسيا في صراعات سابقة، وتشعب المواجهة في أوكرانيا وامتدادها إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم، وانعكاساتها المحتملة على العلاقات طويلة الأمد مع الجيران في الفضاء السوفياتي السابق وفي محيط روسيا الإقليمي والدولي. في هذا الإطار، يتذكّر البعض أن إزاحة مسخادوف بعملية اغتيال مُوجّهة أسفرت عن إطالة أمد الحرب الشيشانية الثانية لسنوات تالية، وأصبحت روسيا تواجه ليس “رئيساً منتخباً قادراً على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بل مجموعة من الإرهابيين والمتشددين المتطرفين للغاية مثل شامل باسايف وأنصاره”. العنصر الثاني المهم أن اغتيال زيلينسكي وبعض رموز قيادته في وقت مُبكّر كان سيجعله “بطلاً قومياً” ورمزاً للإلهام لمواجهة روسيا لعقود مقبلة، كما كتبت الصحافية الأوكرانية ديانا بانشينكو. ورأت الصحافية المعارضة حالياً لزيلينسكي أنه “لو أن روسيا قضت على زيلينسكي قبل عامين، لما تغير شيء، لكنه كان سيصبح بطلاً قومياً لأوكرانيا لقرون، وكان سيُخلّد اسمه، وكان الشعب الأوكراني سيقاتل باسم تضحيته. وكان العالم أجمع سيُحيي ذكراه بوصفه شهيداً”. في المقابل، فإن تضييق الخناق عليه ومحاصرته بالأزمات وتسهيل عمليات فساد في الداخل بدت سياسة أكثر جدوى بالنسبة إلى الكرملين لإضعاف زيلينسكي، وتحويله إلى “قائد لرزمة من الفاسدين الذين يُحمّلهم جزء واسع من الشعب الأوكراني قدراً من المسؤولية عن المأساة التي أصابت بلادهم”. إذن، فإن زيلينسكي الضعيف الذي يستجدي المساعدات الغربية ويُحاصَر بالأزمات وفقد جزءاً من شرعيته لأنه لم ينجح في ترتيب انتخابات رئاسية بعد انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2024، أفضل لروسيا من زيلينسكي “البطل القومي الذي واجه الغزو الروسي بشجاعة”. يُضاف إلى ذلك تبدّل المزاج العام حيال زيلينسكي في بعض عواصم القرار. ولا يخفى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه لا يرتبطون مع زيلينسكي بعلاقة وثيقة خلافاً للإدارة السابقة، وقد وصفه مراراً بأنه عقبة في طريق السلام. كما أن جزءاً مهماً من مباحثات روسيا مع الوسيط الأميركي ركّز على أنه لا دور مستقبلاً لزيلينسكي في “اليوم التالي”، وأن بين شروط السلام إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أوكرانيا تُبعد الرئيس الأوكراني وفريقه عن المشهد السياسي نهائياً. في وقت سابق، وصف ترمب زيلينسكي بأنه “ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما” و”ديكتاتور بلا انتخابات”، ونصحه “بالتحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى له بلد”. وأشار ترمب إلى أن الوقت قد حان لإجراء انتخابات في أوكرانيا، وأن سلطات البلاد تستخدم العمل العسكري لتجنب إجراء استفتاء، لكن يجب أن تُتاح للشعب الأوكراني فرصة التعبير عن رأيه. في هذا الإطار، زعم عالم السياسة يوري بارانتشيك أن زيلينسكي قد يُعزل أو يُقتل من قبل السلطات الأميركية أو البريطانية، وأن هذا أفضل من أن تفعل روسيا ذلك بنفسها.

التصعيد الروسي المحتمل وتجربة إسرائيل وثلاثة سيناريوهات

رغم كل ذلك، عاد الحديث عن احتمال التحرّك الروسي الحاسم لتقويض أركان القيادة الأوكرانية إلى الواجهة أخيراً، بعدما لوحت موسكو بسيناريو التصعيد القاتل وطالبت الغرب بسحب دبلوماسييه من كييف، موحيةً بأن خيار “الحسم النهائي” يقترب بقوة; وفقاً لسكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي شويغو المقرب جداً من بوتين. يرى خبراء أن عنصرين أساسيين يضغطان على موسكو حالياً لتصعيد المواجهة بقوة; أولهما تزايد التقارير عن تحضيرات أوكرانية لهجوم مضاد قوي، بعدما نجحت كييف في تعديل كفة خسائرها الميدانية والتقنية عبر تطوير قدرات حديثة للغاية في مجالات دقيقة مثل المسيرات الهجومية وأجهزة تعطيل الرادارات وغيرها. ويقول خبراء إن استمرار استهداف المرافق الأساسية داخل العمق الروسي أسفر عن تقليص فوائد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وأصاب بشلل في حالات كثيرة مطارات رئيسية في البلاد، مع التهديد المتفاقم بشن هجوم قوي يهدف إلى تحسين أوراق كييف التفاوضية يدفع موسكو أكثر وأكثر إلى تفضيل تحرك حاسم لمواجهة التطورات المحتملة. والعنصر الثاني الضاغط على موسكو يكمن في تفاقم المخاوف الروسية من تحوّل أوروبا إلى تهديد طويل الأمد، مع زيادة الإنفاق العسكري والتحول بسرعة نحو العسكرة واستمرار تقديم المساعدات الواسعة لأوكرانيا. ولم تكن مجرد صدفة أن يصف معسكر الصقور الروسي أوروبا بأنها “تتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أكثر خطورة وتهديداً على روسيا من حلف شمال الأطلسي”. في هذا الإطار، بدا أن التلويح الروسي بتصعيد قوي يستهدف تقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا هو موجه بشكل مباشر وجدّي إلى الولايات المتحدة، لتسريع وتنشيط التدخل لوضع التسوية السياسية على سكة التنفيذ الفعلي بعد غياب واشنطن لأشهر بسبب انشغالها بحرب إيران. وقد ظهرت نتائج أولية لذلك من خلال إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف نيته زيارة موسكو قريباً لإحياء جهود التسوية. كما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو خلال زيارته الهند أن واشنطن ستعمل سريعاً على تخفيف حدة التوتر ومحاصرة التصعيد المتوقع من خلال تنشيط جهود الوساطة. مع العناصر الضاغطة على موسكو للتصعيد، برز تطور مهم قد تكون له تأثيرات على آلية تفكير جزء من النخب السياسية والعسكرية، وقد تمثل في دروس الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والقوية في غزة ثم في لبنان وبعد ذلك إيران. يرى محللون أن الاستراتيجية الإسرائيلية التي قامت على قطع رأس الخصم، وبالتالي إضعافه داخلياً وشلّ قدراته على السيطرة والحكم، قد تُشكّل درساً مهماً يمكن الاحتذاء به في حال دفعت الضرورات روسيا لذلك. ومع أن هذه النظرية تبدو متأخرة نسبياً بعد مرور سنوات على اندلاع الحرب، فإن بعض المحللين يرى ضرورة دراستها وفحص مجالات تبنيها بشكل كامل أو جزئي لحسم المعركة لصالح روسيا. بهذا المنطق، ومع رزمة كاملة من المحاذير المتعلقة بهذا الأمر، يضع البعض ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الموقف: أولها، وهو الأضعف وفقاً لتقديرات محللين، أن تذهب موسكو فعلياً لتنفيذ تهديدها بتقويض مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية في حال شعرت بأنها تواجه خطراً داهماً بتعديل كفة الصراع لصالح أوكرانيا وحلفائها في أوروبا. وهنا يدخل في الحسابات انشغال الإدارة الأميركية أو ترددها في لعب دور حاسم لوقف العمليات العسكرية وتثبيت شروط سلام مؤقت أو دائم. الثاني يكمن في مواصلة التلويح بخيار الحسم العسكري النهائي، بما في ذلك في إطار التهديد بالقوة النووية التكتيكية بهدف إرباك الموقف الأوروبي وزيادة المخاطر بقدر محسوب من دون الانزلاق نحو توسيع مواجهة مباشرة، ودفع واشنطن إلى تسريع خياراتها بالتدخل. وهنا تدخل التدريبات النشطة حالياً على السلاح النووي التكتيكي في بيلاروسيا، وزيادة استخدام الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية مثل صاروخ “أوريشنيك” متوسط المدى الذي يمتاز بقدرة تدميرية هائلة، وقد استخدمته روسيا ثلاث مرات على الأقل منذ بداية الحرب. السيناريو الثالث يتعلق بعودة متأخرة للسيناريو الذي كان يجب، وفقاً للبعض، القيام به منذ البداية; وهو تنفيذ عملية استخباراتية لاستهداف زيلينسكي وبعض أركان حكمه، على أن يبدو ذلك انقلاباً داخلياً أو تدخلاً غربياً مباشراً لحسم مسار السلام. في هذه الحال، سيكون على موسكو أن تواجه تبعات اليوم التالي لهذه العملية، حتى لو لم يكن بمقدور أي طرف أن يثبت بشكل مباشر تورط أجهزتها الاستخباراتية في هذه العملية.

للنشر و الاعلان