عاجل
١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 24 أغسطس 2026
الرياض +16°C

أعظم الانتصارات هي تلك التي تمنع الحرب قبل اندلاعها

يعتاد الناس على قياس القوة بما يحدث بعد اندلاع الصراع؛ من انتصر؟ ومن خسر؟ ومن تقدّم؟ ومن تراجع؟ لكن التاريخ يقدّم وجهة نظر مختلفة؛ فليس كل معركة تخاض دليلًا على القوة، بل قد يكون أعظم الانتصارات هو منع الحرب قبل أن تبدأ.

مفهوم الانتصارات التي لا تُرى

الإنسان بطبيعته يرى ما وقع ولا يرى ما منع وقوعه؛ لهذا تسلط الأضواء على الحروب عندما تشتعل، بينما تمرّ الجهود الكبيرة التي حالت دون اندلاعها بصمت. ومع ذلك، فإن الحرب التي لم تقع قد تكون أثرها أكبر من حرب انتهت بانتصار طرف على آخر؛ لأنها تحفظ الأرواح، وتستوطن الأوطان، وتوفّر على الشعوب أثمانًا لا تُقدَّر.

دور القيادة الحكيمة في تجنب الصراع

القائد الحكيم لا يسعى لخوض معركة يربحها، بل يسعى لحفظ مستقبله. والطبيب الماهر لا يُقاس بعدد العمليات التي أجراها، بل بعدد الأمراض التي نجح في الوقاية منها. وبالمثل، الدول لا تُقاس بكثرة صراعاتها، بل بقدرتها على تفاديها قبل أن تفرض نفسها.

نهج المملكة في الحوار والوقاية

من هنا تتضح قيمة الدعوة إلى الحوار، وخفض التصعيد، واحتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة. هذه ليست مواقف تمليها العاطفة ولا تعكس ترددًا في اتخاذ القرار، بل تعبّر عن رؤية بعيدة المدى تدرك أن أمن المنطقة مترابط، وأن استقرارها مسؤولية مشتركة، وأن نار الحرب إذا اشتعلت لن تميّز بين منتصر ومهزوم.

السلام مسؤولية مستمرة

وقد جسّدت المملكة هذا النهج بثبات، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله – حيث جعلت من الحكمة، والحوار، وتغليب المصالح العليا، ركائز راسخة في سياستها الخارجية. لم يكن ذلك موقفًا عابرًا فرضته الظروف، بل نهجًا ثابتًا يعكس مكانة المملكة ومسؤوليتها تجاه أمن المنطقة واستقرارها، ويؤكد أن القيادة الرشيدة لا تقيس النجاح بما تكسبه لحظة، بل بما تحفظه للأوطان من أمن، وللشعوب من استقرار.

وفي ظل التوترات الدولية والإقليمية، برزت المملكة صوتًا يدعو إلى التهدئة، ويؤمن بأن الوقاية من الأزمات خيرٌ من معالجة آثارها، وأن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تحتاج إلى شجاعة في القرار، وبُعد نظر في تقدير العواقب.

إن التاريخ لا يصنعه من يكسب المعارك فحسب، بل يصنعه أيضًا من يمتلك الحكمة التي تمنع وقوعها. وتلك هي الانتصارات الهادئة التي قد لا تتصدر العناوين، لكنها تبقى في ميزان الأمم أعظم أثرًا، وأبعد نفعًا، وأصدق شاهدًا على أن القيادة الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، جعلت من ترسيخ الأمن، وصناعة السلام، وحماية استقرار المنطقة نهجًا ثابتًا، إيمانًا بأن أعظم الانتصارات ليست ما يُكسب في ميادين القتال، بل ما يُحقق للأوطان من أمن، وللشعوب من طمأنينة، وللمستقبل من استقرار.