عاجل
٢٥ صفر ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 10 أغسطس 2026
الرياض +17°C

قصر المربع.. من مقر الحكم إلى متحف وطني يجسّد مسيرة التأسيس

10/08/2026 03:02

مع توسّع رقعة الدولة السعودية وتوحيد أراضيها وتزايد أعباء الحكم ونمو أسرة الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- في أوائل الخمسينات الهجرية، بات من الضروري إعادة النظر في القصر الملكي الواقع داخل أسوار مدينة الرياض. فقد تزايدت الحاجة إلى مقر جديد قادر على استيعاب متطلبات الإدارة الحديثة والأعداد المتزايدة من أفراد الأسرة والضيوف والوفود.

دوافع الإنشاء وموقع القصر

لهذه الأسباب أصدر الملك عبد العزيز في عام 1355هـ توجيهاته بالبدء في تشييد مجمّع قصر خارج أسوار الرياض، على بُعد نحو كيلومترين شمال المدينة القديمة، في أرض تُعرف بـ “مربع آل سفيان”. كانت تلك الأرض مستوية وخصبة، تُزرع في مواسم الأمطار، وتحيط بها بساتين الفوطة من الجنوب، ووادي البطحاء من الشرق، ووادي أبو رفيع من الغرب، إلى جانب بعض التلال والمرتفعات البسيطة من الشمال. وتُروى روايتان حول تسمية القصر بـ “المربع”: الأولى تعود إلى بنائه في مربع آل سفيان، والثانية إلى شكله الهندسي المربّع أو المستطيل، وكذلك أبراجه المربّعة الموزعة على سوره بمسافات متساوية.

مراحل البناء والمواد المحلية

أُسندت مهمة الإشراف على البناء إلى أحد أمهر البنّائين في ذلك الوقت، وهو المواطن حمد القباع، بمساعدة نحو ألف عامل جُلبوا من مختلف مناطق المملكة. استغرق تشييد القصر وملحقاته حوالي ثلاث سنوات، ليُستكمل رسميًا في أواخر عام 1357هـ. وفي عام 1358هـ، انتقل الملك عبد العزيز وأفراد أسرته إلى القصر الجديد، تاركين سكنهم القديم في مجمّع قصر الحكم ليكون مقرًا للدوائر الحكومية والتشريفات الملكية وقصرًا للضيافة والمستودعات والأجهزة الأمنية. اعتمد البناء على مواد محلية كاللبن والطين والحجارة وجذوع النخيل، مما عكس بساطة العمارة وتكيّفها مع البيئة آنذاك. ورغم التكلفة المتواضعة مقارنة بمقاييس اليوم، فقد أُنجز العمل بانسجام مع القدرات التقنية المحلية المتاحة.

دور القصر في صنع القرار واستقبال الوفود

لم يكن هذا القصر مجرد مجمّع سكني، بل تحوّل إلى أيقونة تاريخية شكّلت ملامح الدولة السعودية الحديثة. فقد جمع بين بساطة العيش وحكمة القيادة، وأدار منه الملك عبد العزيز شؤون بلاده الواسعة. كان المكتب في الدور العلوي مركزًا لاتخاذ القرارات المصيرية، حيث صدرت منه الأوامر الملكية، وتلقّى التقارير اليومية من مختلف المناطق، وتابع مشاريع التنمية الأولى كتعليم الأفراد وبناء المستشفيات وتطوير البنية التحتية وتوطين البادية. وفي مجالس القصر، استقبل الملك عبد العزيز الملوك والرؤساء والسفراء والرحالة الأجانب، وشهدت تلك المجالس توقيع اتفاقيات تاريخية كبرى، خاصة المتعلقة بامتيازات التنقيب عن النفط، التي نقلت المملكة إلى عصر جديد من التغير الحضاري والازدهار الاقتصادي. كما كان القصر أول موقع في الرياض يُدخل وسائل التقنية الحديثة، فكان من أوائل المباني التي أُدخلت إليها الكهرباء عبر مولدات خاصة، وأُنشئ فيه أول مصعد كهربائي بالرياض لراحة الملك عبد العزيز في سنواته الأخيرة، فضلًا عن شبكة اتصالات هاتفية وبرقية ربطت المقر بباقي المناطق.

التحول إلى متحف ورمز وطني

بعد وفاة الملك عبد العزيز -رحمه الله- عام 1373هـ، تحوّل قصر المربع من مقر للحكم إلى رمز وطني يخلّد سيرة التأسيس. وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله-، أُعيد ترميمه بعناية فائقة وضُمّ إلى مركز الملك عبد العزيز التاريخي، ليصبح متحفًا وشاهدًا حيًا يُفتح للزوار والسياح. يمكن للزائر اليوم مشاهدة مقتنيات الملك الشخصية، ومكتبه الرسمي، وسيارته الشهيرة، والوثائق التاريخية التي تعبّر عن مرحلة قيام الدولة. وقد قامت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض بالمحافظة على المباني التراثية في الموقع، وأُعيد ترميم القصر بمواد وطرق حديثة مع المحاكاة والمجانسة للنمط التقليدي الأصلي، كما أُصلحت أجزاء من السور القديم وبعض أبراجه على النمط نفسه، وأُجريت إصلاحات على الجامع بما يحافظ على سماته المعمارية ويربطه بالمنشآت المحيطة به ضمن مركز الملك عبد العزيز التاريخي، الذي أصبح معلمًا بارزًا للتراث والتاريخ والحضارة والثقافة في الرياض. ويمثل قصر المربع اليوم أهم المعالم التاريخية والأثرية في هذا المركز، حيث يتصوّر الزائر من خلاله نمط الحياة في القصر عندما كان في أوج مجده، مواكبًا لأهم الأحداث التي رافقت نشوء المملكة وتوحيدها وبنائها ونهضتها، ليكون رمزًا خالدًا للأجيال الحاضرة واللاحقة لاستلهام معاني الجد والعمل والصبر والسعي نحو الحفاظ على كيان هذه المملكة السعيدة حاضرًا ومستقبلًا بعون الله.