عاجل
السبت، 31 أكتوبر 2026١٩ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 17°C

حصة الصبيحي تترك أثراً لا يمحى بعد سبعين عاماً من خدمة ضيوف الرحمن

يرحل الإنسان عن هذه الدنيا، غير أن بعض الراحلين تظل سيرتهم حية وذكراهم متقدة؛ لأنهم يتركون في النفوس أثراً لا تمحوه الأيام. ومن هؤلاء كانت حصة بنت محمد الصبيحي، التي غابت بجسدها وبقيت حاضرة بما غرسته من محبة وما قدمته من إحسان وما تركته من مواقف نبيلة في قلوب أبنائها وأقاربها وجيرانها وكل من عرفها أو طرق بابها يوماً.

بيت مفتوح لسبعة عقود

عاشت أم عبدالله في مكة المكرمة، وفي رحاب أطهر البقاع اختارت أن تجعل حياتها وقفاً على البذل وخدمة ضيوف الرحمن. وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً، ظل بيتها مفتوحاً للحجاج والمعتمرين، يستقبل القريب والبعيد والمواطن والمقيم، بمائدة عامرة بالإفطار والغداء والعشاء، وبقلب أكثر اتساعاً من المكان. لم يكن بابها يُغلق في وجه محتاج، ولم يكن عطاؤها مرتبطاً بموسم أو مناسبة؛ بل كان نهج حياة وعبادة صامتة لا تنتظر شكراً ولا ثناءً.

خدمة لا تعرف المسافات

وحين انتقلت إلى منزل بعيد عن المسجد الحرام، لم تسمح للمسافة أن تقطع ما اعتادته من خدمة زواره، فكانت تستأجر أجنحة في وقف الملك عبدالعزيز، مطلة على الكعبة المشرفة، لتستقبل فيها ضيوف الرحمن، ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك. هناك، كان الزوار يجتمعون على الصلاة والإفطار والذكر، وكانت أم نورة تمنحهم من دفء الأمومة وصدق الضيافة ما يجعلهم يشعرون بأنهم بين أهلهم. كانت ترى في إكرام ضيف الرحمن شرفاً لا يوازيه شرف، وتؤمن أن أبواب الخير لا ينبغي أن تُغلق ما دام الإنسان قادراً على العطاء. لذلك لم تكن تسأل ضيفها من أين أتى، ولا تنتظر منه مقابلًا؛ كان يكفيها أن تراه مطمئناً وقد وجد في بيتها الطعام والمأوى والوجه البشوش.

صلاح وإرث يمتد في الأبناء

عُرفت بالصلاح ونقاء القلب وحفظ اللسان، فلم تُعرف عنها إساءة إلى أحد. وكانت كثيرة الصدقات، صاحبة أيادٍ بيضاء ومواقف لا تُنسى؛ تفرح لفرح الآخرين وتتألم لألمهم، حتى إنها كانت تبكي لمرض جارتها، وحين رحلت بكتها جاراتها بكاء الأم، وفاء لامرأة كانت لهن أختاً وأماً وسنداً. ولم يقتصر أثرها على أعمالها المباشرة، بل امتد إلى أبنائها الذين ربّتهم على الإيمان والعطاء وخدمة الناس، فكان منهم الناجحون في ميادين العلم والأعمال والاستشارات والمحاماة والتعليم والخدمة العسكرية. وبذلك تحولت وصاياها إلى سلوك حي، وأصبح خيرها إرثاً يتجدد في أسرتها ومن حولها.

وداع مهيب في الحرم

وقد شهدت الصلاة عليها حضوراً كبيراً؛ فامتلأ مسجد المهيني بالمصلين، ثم صُلّي عليها بعد صلاة العصر في المسجد الحرام، وفق وصيتها، كما توافدت جموع المعزين إلى بيتها أياماً عدة. كان ذلك المشهد شهادة صادقة على مكانتها ومحبة الناس لها. غفر الله لها وأسكنها الجنة مع أوليائه الصالحين.