عاجل
٥ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 21 يونيو 2026
الرياض +13°C

غزو غير مرئي يستهدف سيادتنا الإدراكية عبر ساحة العقل

17/06/2026 07:01

تتجلى معالم صراع جديد في ميدان الحروب، حيث لا تُستَخدم الدبابات أو الطائرات التقليدية، بل تُستهدف العقول عبر أدوات معرفية وتقنية معقّدة تهدف إلى تشكيل طريقة إدراك الجماهير للواقع. إن هذا التحوّل يُظهر أن بعض القوات لا يمكن رصدها عبر الرادارات التقليدية، إذ تتسلل إلى الوعي وتعيد بناء مفاهيم الناس عن ما يحدث حولهم.

آليات التسلل الإدراكي وتطور الصراع

تُظهر المتابعة اليومية للجماهير للإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مدى عمق التفاعل مع المحتوى، سواء كان هدفه البحث عن الأخبار أو الترفيه أو التفاعل الاجتماعي. غير أن الوجود المستمر في الفضاء الرقمي جعل الكثيرين هدفًا لتقنيات تؤثر على بوصلة التفكير والسلوك الإدراكي. وفق تقرير صادر عن مركز الابتكار (Innovation Hub) التابع لحلف الناتو، تُشير الفرضية إلى أن الصراعات الحديثة تجاوزت المجالات التقليدية الخمسة (البَرّ، البحر، الجو، الفضاء، السيبراني) لتدخل إلى فضاء جديد يُسمّى “الفضاء الإدراكي” أو العقل البشري.

هندسة الإدراك واستخدام العلوم المعرفية

في هذا السياق، تُستَخدم علوم مثل علم النفس، والذكاء الاصطناعي، وعلم الأعصاب ليس فقط لاختراق الشبكات التقنية، بل لاختراق الفرد ذاته، وهو ما يُطلق عليه “اختراق الفرد” (Hacking the Individual). يصبح الوعي الجمعي خط الدفاع الأول أمام حملات تهدف إلى هندسة الإدراك. لا يعاني المواطن اليوم من نقص المعلومات، بل من سيولة غير مسبوقة في تدفقها، ما يتيح للجهات الفاعلة توجيه الانتباه وإعادة ترتيب الأولويات، وتضخيم قضايا هامشية على حساب قضايا أكثر أهمية.

التشبع المعلوماتي وتأثيره على التفكير النقدي

عند انغمار العقل في سيل هائل من الأخبار والصور والتحليلات، قد يتعثر في القدرة على التساؤل عن مصدر السردية أو دوافعها، فيظن الفرد أنه يمارس حريته في الاختيار بينما يُقَدَّم له مسارًا مُهندسًا يوجه انتباهه ويُخفي عنه زوايا أخرى من الفهم. لذا لم يَعُد الوصول إلى المعلومات كافيًا، بل بات من الضروري امتلاك القدرة على مساءلة مصادرها وفهم آليات ترتيبها، وملاحظة القوى التي تتحكم في ظهورها واختفائها.

تحديات السيادة الإدراكية في الخليج

واجهت هذه الهندسة المضللة جماهير صامدة في دول الخليج، حيث حافظت بنية الرأي العام على تماسك واضح. حاولت شبكات حسابات وهمية وأكاذيب إلكترونية إحداث انقسامات وتضخيم التوترات، لكن تحام الرأي العام مع مواقف حكوماته شكل خط دفاع أول أمام محاولات التفتيت. وتظهر هذه المحاولات كجزء من صراع أوسع بين قوى دولية، ساعية لمنع تكوين موقف موحد وشعبي تجاه القضايا الخليجية الكبرى، لا سيما فكرة الوحدة الخليجية.

تُعَدُّ السيادة السردية – أي قدرة الدولة والمجتمع على صياغة رواية وطنية واضحة ومصدقة – أحد الأركان التي ساعدت على توحيد الجماهير حول قياداتهم، لكن هذه السيادة لا تكفي دون تعزيز الوعي المعرفي والسلوكي لتقوية “السيادة الخوارزمية”. فالخوارزميات التي تدير محتوى المنصات الرقمية تحدد ما يُعرض للمواطن، ما يُحجب، وما يُعاد تكراره، ما قد يُخلق تصورًا كأنه حقيقة عامة.

من دون فهم هذه الآليات، يمكن استغلال نقاط الضعف الإدراكية للتحكم في الانتباه، وتغذية الشائعات، وإرساء قوالب ذهنية ثابتة يصعب الخروج منها. لذا، تصبح حماية السيادة الإدراكية ضرورة وطنية ومجتمعية، تُبنى على تعزيز التفكير النقدي، كشف الشائعات، وتكوين قدرة جماعية على قراءة السياقات بعيدًا عن ردود الفعل الفورية.

إن الغزو الذي لا يُستَطاع رصده بالرادارات قد يكون أخطر من الغزو المادي، لأنه لا يقتنص الأرض أولًا، بل يسعى إلى احتلال المعنى وإعادة تشكيل الجماهير من داخل.

للنشر و الاعلان