لطالما كانت المرأة جزءاً أساسياً في مسارات الحضارات وتطور الأدوار، إذ لم تُنظر إليها يوماً كعنصر ثانوي بل كقوة محورية تسهم في صياغة الأحداث وتشارك في بناء التاريخ عندما تُقاس المسؤوليات بالجدارة والكفاءة.
دور المرأة في نهضة المجتمع
يتجلى الارتقاء الحضاري للمرأة عندما تتحول طاقاتها إلى رؤى عقلانية تدعم استقرار وتنمية المجتمع، وتُدار بوعي استراتيجي ومسؤول. من هذا المنطلق تُظهر التجربة الإسلامية قيمة المرأة كقوة بناء وشريك أصيل في المسيرة الإنسانية.
بلقيس ملكة سبأ كنموذج إداري
يُعدّ مثال الملكة بلقيس، التي وردت في القرآن الكريم، مرجعاً تاريخياً يبرهن أن الفطنة الإدارية والقيادية هي الأساس في صون دولٍ قوية. لم تُصوَّر كحاكمة عابرة، بل كقائدة تتمتع بمهارات التفكير السياسي والمنطقي.
عند وصولها لرسالة سليمان عليه السلام، لم تتسرّع في اتخاذ القرار؛ بل استدعت مجلسها وسألتهم: “يا أيها الملأ أفتوني في أمري”. اختارت نهج الشورى عوضاً عن الاستبداد، واعتمدت العقل بدلاً من العاطفة، واختارت الاختبار على المواجهة المباشرة. بهذه الطريقة أظهرت بلقيس قدرة على القيادة بعقل هادئ وإدارة المواقف بوعي استراتيجي، لتصل إلى قرار يعكس نضجاً سياسياً وإنسانياً عميقاً، معتمدة على البحث عن الحقيقة بدلاً من الانفعال.
نماذج إسلامية أخرى تعزز الكفاءة
تتجلى هذه الرؤية في سيرة السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت دعامة اقتصادية ودعوية، وفي سيرة السيدة عائشة رضي الله عنها التي شكلت مرجعاً معرفياً. ما يؤكّد أن المنظومة الإسلامية اعتمدت الكفاءة كمعيار وحيد لتمكين المرأة، ومنحتها المجال لتؤدي دورها الفاعل بناءً على الاستحقاق والجدارة.
تجسيد الفكرة في رؤية 2030
يتجسد هذا المبدأ اليوم في رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي لا تنظر إلى تمكين المرأة كإيماءة بل كضرورة استراتيجية للنهضة الوطنية. تُحوِّل الرؤية مفهوم “الشراكة في التنمية” إلى واقع ملموس من خلال سياسات وبرامج تدعم مشاركة المرأة في التخطيط والقيادة والاقتصاد، إيماناً بأن تقدم المجتمع لا يتحقق إلا باستثمار وعي المرأة وإبداعها.
ختاماً، تبقى قصة بلقيس شهادة تاريخية على أن القيادة تُنمّى بالحكمة، وتحتاج إلى بيئة داعمة وفرص متكافئة لتزدهر. الانتقال من نماذج الماضي إلى آفاق رؤية 2030 يُظهر أن المرأة ليست على هامش الإنجاز الحضاري، بل هي محور الجمع بين حكمة التاريخ ورؤى المستقبل، لتُحوِّل فرص العطاء إلى نموذج ملهم للتغيير، مؤكدةً أن الكفاءة هي المعيار الحاسم للمسؤولية في بناء الأوطان.






