عاجل
٧ محرم ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 23 يونيو 2026
الرياض +26°C

داود الصندوق الأسود: رحلة نصف قرن في ذاكرة الصحافة بين الحاضر والذكريات المتلاشية

23/06/2026 01:02

تتجلى رحلة استرجاع الزمن في عالم الصحافة كمسعى لا يقتصر على استدعاء الأخبار، بل يتعدى ذلك إلى استكشاف أعماق الذاكرة التي تنسجها السرديات. بعد خمسين عاماً من العمل في ساحة (شارع الصحافة)، لم يبقَ من العناوين صدى ولا من الضجيج أصداء، فتناثر كل ما كان يُكتب في هوامش تاريخ الإعلام، واختفت الأسماء التي لم يستطع داود تذكرها في لقاءاته، وتلاشت العناوين الكبيرة التي بدت يوماً حاسمة ونهائية.

ذاكرة الصحافة كقوة ثابتة

مع ذلك، يبقى شيء أكثر رسوخاً من الخبر ذاته: العين التي رآه، والعقل الذي فسره، والذاكرة الصحفية التي لم تستطع مقاومة خوارزميات الذكاء الاصطناعي. هذه الذاكرة التي يحملها داود الشريان أعادت ترتيب شظايا الماضي وربطها في سرد حميم، كاشفةً عن (داود آخر) الذي كان أقل ظهوراً على الشاشة، لكنه أقوى حضوراً في الذاكرة؛ داود الذي عاش في السبعينات والثمانينات والتسعينات حتى عام 2025، وصار صانع رأي لا ينسى.

من الصندوق الأسود إلى بئر الذاكرة

أما (داود الصندوق الأسود 2026) فهو الآن الشاهد على نصف قرن من التحولات الصحفية، وعلى قصصٍ عديدة كان يرويها وهو يحدق في الماضي. عندما أمعننا النظر في أسلوب السرد القصصي لداود داخل الصندوق الأسود، اكتشفنا بعداً آخر مرتبط بمفهوم الذاكرة كما صاغه ريكور في مؤلفه (الذاكرة، التاريخ، النسيان). فالصحفي الذي أمضى نصف قرن يتعقب الأخبار في أروقة السياسة وممرات التحولات الاجتماعية، يتعرض لغبار الأحداث المتسارعة في المنطقة والعالم.

في حلقات الصندوق الأسود وجدنا داود منشغلاً بمطاردة أصعب من مطاردة الأخبار نفسها: مطاردة الذكريات الصحفية، سعيه للقبض عليها وتقديمها للبوح والسرد. يبدو أن ما كان يلاحقه داود كان أعمق من مجرد خبر؛ فكانت رحلته إلى ماضيه أصعب من رحلاته إلى أميركا، قبرص، بيروت في (حارة حريك)، تونس وغيرها من عواصم الصحافة، لأنها لم تكن بحثاً عن الوقائع بل عن الحياة التي استقرت داخل تلك الوقائع بعد أن مضى الزمن.

بئر الذاكرة وفق ريكور

نعود إلى مفهوم ريكور عن (بئر الذاكرة)، التي تشبه بئرًا عميقاً، كلما غاص فيها الإنسان المستذكر عاد وهو يحمل شيئًا مختلفًا. داود داخل (الصندوق الأسود) خاض رحلة شاقة ولذيذة إلى بئر الذاكرة الصحفية، لم يقتصر على فتح أرشيف ورقي، بل غاص في أعماق خمسين عاماً من التجربة الصحفية. لذا لم تكن قيمة الحلقات في مجرد معلومات، إنما تكمن القيمة الحقيقية في (الدلو) الذي حمل هذه الأحداث من (بئر الذاكرة الصحفية) إلى داود الشريان، مرفقًا بالمشاعر، والدهشة، والتوتر السردي، والنكتة، والمخاوف، والمواقف الخفية التي لا تسجلها الصحف.

ظهر داود في عدة حلقات من الصندوق الأسود، يهبط إلى بئر ذاكرته ليعود بحكايات نجت من النسيان. ما كان في الأرشيف وقتها مجرد واقعة يتحول في الذاكرة إلى حياة متكاملة، لأن داود يدرك أن الخبر ابن اللحظة، بينما الذكريات الصحفية هي ابنة العمر والزمن.

للنشر و الاعلان