خلال نهاية شهر يوليو وبداية أغسطس 2026، كشفت صور الأقمار الصناعية عن تراجع واضح في مناهض أنهار أوروبا الرئيسية. كشف انخفاض منسوب الدانوب والراين عن أجزاء من قاعهما، فظهرت في الدانوب بقايا سفن حربية غرقت أثناء الحرب العالمية الثانية، بينما ظهرت في نهر إلبه ومجاري مائية أخرى ما يُسمى بـ«أحجار الجوع»، محفورة بتواريخ وعبارات تعكس تجارب جفاف وقحط عاشها سكان تلك المناطق قبل قرون، ثم غمرتها المياه قبل أن يعيدها الجفاف إلى السطح بعد أجيال.
أزمة الماء في أوروبا
لا تقتصر المشكلة على القارة الأوروبية فقط؛ فالتقارير تصف حالة متقلبة للموارد المائية عبر القارات، بين جفاف وفيضانات واضطراب في تدفقات الأنهار. يؤثر نقص المياه سنوياً على نحو ثلاثين في المئة من أراضي الاتحاد الأوروبي، مما يمسّ الغذاء والطاقة والاقتصاد والصناعة والنقل واستقرار المجتمعات. ويضرب نهر الراين مثالاً واضحاً: انخفاض منسوبه يقلل الحمولة التي تستطيع السفن حملها، يرفع كلفة النقل، ويضغط على سلاسل الإمداد. كما يرتبط الماء بالطاقة ارتباطاً مباشراً، إذ تحتاج محطات الطاقة الحرارية إلى المياه لعمليات التبريد، ما يجعل إدارة هذا المورد جزءاً من حماية الاقتصاد وضمان استدامته.
جهود السعودية في إدارة الموارد المائية
على عكس كثير من المناطق التي تعاني من شح المياه، عرفت الجزيرة العربية منذ القدم قيمة البئر والدحل والغدير والمطر والسيول، وعرفت مشقة الحصول على الماء بوسائل بدائية. مع تطور الزمن والأدوات، انتقلت المملكة من مرحلة البحث عن الماء إلى صناعة مصادره وإدارة موارده. على سواحلها أقيمت مشروعات ضخمة لتحلية مياه البحر، وتوسّعت شبكات النقل والإمداد، وتطورت عمليات المعالجة وإعادة الاستخدام. في يوليو 2026، أوضح وزير البيئة والمياه والزراعة أن استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة تراجع من 21 مليار متر مكعب في عام 2016 إلى 11 مليار في عام 2025، بينما ارتفعت القدرة اليومية لإنتاج المياه المحلاة من 9 ملايين إلى 16 مليون متر مكعب، وزادت السعة الاحتياطية للتخزين بأكثر من 125 %.
المبادرات العالمية ورؤية عام 2027
امتد هذا النجاح إلى الساحة الدولية، ففي سبتمبر 2023 أعلنت المملكة عن إنشاء «المنظمة العالمية للمياه» ومقرها الرياض، بهدف تنسيق الجهود العالمية لمواجهة تحديات المياه. وأصدر مجلس الوزراء قراراً باعتبار عام 2027 عاماً للماء، في إطار تعزيز الأمن المائي وتشجيع الإدارة المستدامة للموارد، ودعم الابتكار والاستثمار والشراكات في هذا القطاع. وبينما تبقى في قيعان بعض أنهار أوروبا «أحجار الجوع» شاهدة على تجارب جفاف قديمة، ومع اتساع رقعة الجفاف في مناطق مختلفة من العالم، يظل لجيلنا رسالة إلى الأجيال القادمة: تحسين إدارة الموارد، واعتماد تقنيات أكثر تقدمًا، وتقليل الاستهلاك غير الواعي، واستخدام المعرفة لحماية حاضر الماء ومستقبله، فالأدلة التي تركها الماضي عن شح الماء والجفاف والتصحر تمثل تحذيراً، وما نتركه للأجيال الحالية والقادمة يجب أن يكون رداً على هذا التحذير، إذ أدركت الحضارات منذ بداياتها قيمة الماء وسيظل مستقبلها مربوطاً بحسن تدبيره.






