من الثنائية إلى التركيب
عندما سُئل ليفيناس عن الحضارة الغربية وصفها بأنها ثمرة لقاء الحضارة الإغريقية بالكتاب المقدس. هذا التشبيه يفضي إلى رؤية الثقافة السعودية المزدهرة اليوم كنتيجة لتفاعل نظام القيم ما قبل الإسلام – الأخلاقية والإنسانية – مع ما أكمله الدين من خلال رسالة النبي الكريم ومحتوى القرآن. الفعل الثقافي الذي تخاطب به السعودية العالم يعكس هذا الامتداد التاريخي، وفي الوقت ذاته يعبر عن غمر الإنسان السعودي في عصره وظروفه، مع بعد إنساني وتقني.
معايير القيم والنقد المتجدد
الانفتاح الفعّال على العصر يتطلب اعتماد الاعتراف الثقافي المتبادل والانتقال من موقف النفي إلى موقف الإثبات. طوال فترة الانكفاء الثقافي ركز الخطاب السعودي على نفي صور الآخرين عنه، spesso غير دقيقة رغم وجود جزء صحيح منها، وتكرر العبارة «الثقافة السعودية ليست كذا وكذا» حتى وصل إلى لحظة التحول الراهنة عندما قرر الانتقال من النفي إلى الإثبات، قائلاً: السعودية هي…، ما أتاح للكشف عن مخزونها الإنساني والثقافي ومنح العالم فرصة لاستقبال جماليات هذه الكنوز.
التحول انتقل من منطق الثنائيات المبسطة – إما الأصالة أو الانفتاح، إما الهوية أو العالمية، إما المحافظة أو التحديث – إلى منظور تركيبى مستفيد من أفكار إدغار موران في كتابه «الطريق»، الذي يدعو إلى تجاوز الفكر الاختزالي الذي يعزل الظواهر عن سياقاتها ويبحث عن تفسير واحد. التفكير المركب يسمح بالإمساك بالظواهر في مستوياتها المتعددة وربط ما يبدو متعارضاً داخل بنية واحدة تولد معنى جديدًا. الإصلاح الحقيقي، حسب هذا الرأي، يبدأ بإصلاح طريقة التفكير ذاتها، لأن الأزمات الحديثة هي في جوهرها أزمات إدراك وتنظيم للمعنى.
الهوية، التراث ومخاطر الاستلاب
من هذه الزاوية يُفهم التحول الثقافي السعودي كمحاولة مستمرة لإعادة تشييد علاقة complexes مثل الاعتقاد والانتقاد، المحلي والعالمي، التراث وقيم المعرفة، والهوية والإنتاج الثقافي. ما يجري في السعودية يُشكّل تأسيسًا مبهِرًا لشروط نمو الكائن الإنساني السعودي بما يتماشى مع قيمه ومكانته الإنسانية، ما يتيح له العيش في عصره دون خسارة نفسه والانفتاح على العالم دون التخلي عن حقه في الاختلاف.
ومع ذلك فإن هذا الأفق الواسع يفرض درجة عالية من اليقظة النقدية والوعي؛ فكل انفتاح يحمل مخاطر كامنة، أبرزها الوقوع في المحاكاة غير المستوعبة أو الاستلاب الثقافي أو الاستنساخ الحضاري غير المقنن أو الوعي المستعار، ما يؤدي إلى تلقي منتج الآخر ومفاهيمه دون فهم ظروف إنتاجها أو مساءلة مكانتها في السياق الجديد.
الخاتمة: النقد كالتضامن
وبالنظر إلى أصل اللفظ «ثقافة» بين الجذر العربي «ثقف» الذي يعني التقويم والتهذيب والإصلاح، والأصل اللاتيني الذي يدل على الاستزراع والإنماء، تقدم التجربة السعودية الحالية صيغة تركيبية تتجاوز هذا التقابل نحو المزج بين التقويم والاستنبات. فهي تبني وتنتج في الوقت نفسه، تستنبت قدراتها الثقافية لتشييد ذات ثقافية واعية بذها، قادرة على إعادة إنتاج ثقافتها بصورة أوسع، متجنبة اعتبار الثقافة حقيقة بدهية، ومتعاطية مع الفعل الثقافي من مبدأ المركب والمعقد.
وتيرة التحول والتسارع في الفعل الثقافي السعودي تجعل الحاجة ملحة لليقظة النقدية التي تساير وتغوص في قراءة وتفكيك آليات ومآلات هذا الفعل. النقد وانتقاد سيرورة ما يحدث على مستوى الفعل الثقافي السعودي يشكل أعلى درجات التضامن معه؛ فكما يرى إدوارد سعيد – وهو محق – «لا تضامن من دون النقد».






