عاجل
٣ صفر ١٤٤٨ هـ| الأحد، 19 يوليو 2026
الرياض +16°C

العُلا تحول مبانيها التراثية إلى مراكز للثقافة والسياحة والاقتصاد

19/07/2026 01:02

إعادة توظيف التراث في العُلا

لم تعد المباني التاريخية في محافظة العُلا مجرد آثار صامتة، بل أصبحت جزءًا نشطًا من حاضر المحافظة بعد أن نفذت مبادرات التأهيل لتعيد توجيهها نحو أدوار ثقافية وسياحية واقتصادية، مع الحفاظ على أصالة المكان وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

هذه المبادرات تتجاوز مفهوم الترميم التقليدي؛ فهي تحافظ على المباني التراثية وتعيد توظيفها بما يتماشى مع قيمتها العمرانية، مما يحول منشآت كانت معطلة لعقود إلى وجهات تستقبل الزوار، تحتضن فعاليات ثقافية، وتنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير فرص عمل جديدة لأبناء المجتمع المحلي.

البلدة القديمة كنموذج حي

تمتد بلدة العُلا القديمة لأكثر من سبعة قرون وتضم مئات الأبنية المبنية من الطوب الطيني والحجر، إلى جانب مساجد وأسواق وأزقة شكّلت في الماضي محور الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمحافظة.

مع انتقال السكان إلى الأحياء الحديثة خلال العقود الماضية، خلت البيوت من ساكنيها، لكن المكان حافظ على قيمته التاريخية وذاكرته البشرية التي ما زالت واضحة في تفاصيل البناء والأزقة وفي القصص التي تناقلتها الأجيال عن حياة الأهالي.

مشاريع بارزة تجسّد الرؤية

منذ انطلاق رؤية المملكة 2030 دخلت المواقع التاريخية والعمرانية في العُلا مرحلة جديدة تقوم على الحفاظ على الإرث المعماري وإعادة توظيفه بحيث يحافظ على هوية المكان ويمنحه حضورًا متجددًا يعزز الثقافة والسياحة والاقتصاد المحلي.

تنفذ أعمال التأهيل وفق منهجية تراعي الحفاظ على العناصر الأصلية باستخدام المواد التقليدية وتقنيات البناء الموروثة، والاستفادة من خبرة الحرفيين المحليين، ما يضمن حفظ الشخصية المعمارية ومعرفة العمارة الطينية للأجيال القادمة.

لم يقتصر التطوير على المباني فقط، بل شمل الساحات والممرات التاريخية التي استعادت نشاطها لتصبح حاضرة للمتاجر والمقاهي والمطاعم والحرف التقليدية ومعارض الفن، في مشهد أعاد للمكان دوره كمركز للحياة والتفاعل المجتمعي.

ومع عودة النشاط إلى هذه المباني، عادت ذكريات الأهالي الذين ولدوا وترعرعوا بين أزقتها وبيوتها الطينية، لتتحول حكاياتهم إلى روايات يروونها للأبناء والأحفاد والزوار، تجسيدًا لذاكرة المكان التي انتقلت من ماضي محفوظ في الجدران إلى إرث حي يتداوله الأجيال.

ويمثل مشروع «دار طنطورة» مثالًا متميزًا لإعادة توظيف التراث، حيث أُعيد تأهيل عدد من المنازل التاريخية وتحويلها إلى منشأة فندقية تراعي الاستدامة البيئية مع الحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة، وهو ما يعكس تكامل الحفاظ على التراث مع تقديم تجربة ضيافة فريدة؛ وقد استُقي اسم المشروع من «الطنطورة»، الساعة الشمسية التي استخدمها أهل العُلا في الماضي لتحديد مواسم الزراعة وتتابع الفصول.

ويقدم موقع محطة سكة حديد الحجاز التاريخية داخل منطقة الحِجر نموذجًا آخر لإعادة توظيف المباني؛ إذ جرى الحفاظ على مبانيها الأصلية وإعادة استخدامها ضمن منشأة فندقية، ما يوضح إمكانية الاستثمار في المواقع التاريخية مع المحافظة على قيمتها الأثرية وعناصرها المعمارية.

وشملت أعمال التأهيل الواحة التاريخية المجاورة التي وُفّظ على طابعها الزراعي، وأُعيد ترميم ممراتها وجدرانها الطينية باستخدام المواد التقليدية، ما يعكس العلاقة التاريخية بين الواحة والعمران باعتبارهما ركيزتين شكّلتا استقرار الإنسان في العُلا عبر القرون.

وتستضيف البلدة القديمة على مدار السنة برامج ثقافية وتجارب متنوعة تعيد تقديم المكان كفضاء للفنون والمعرفة والحرف التقليدية، وتمنح الزائر فرصة معايشة التاريخ داخل بيئته الأصيلة، بحيث تصبح الزيارة تجربة تجمع بين استكشاف التراث والتفاعل مع تفاصيله الإنسانية.

وتؤكد الهيئة الملكية لمحافظة العُلا من خلال برامجها المستمرة في صون التراث وتوظيفه التزامها بجعل المواقع التاريخية ركيزة حيوية في التنمية الثقافية والاقتصادية، لتبقى العُلا أيقونة حضارية تعكس براعة دمج الحفاظ على الإرث التاريخي مع استشراف آفاق مستقبل يفتخر بهويته.