عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

تحليل مفهوم الهابيتوس الصحوي وأبعاده الاجتماعية والثقافية في السعودية

يُعرّف الهابيتوس بأنه سلوك أو رد فعل لا إرادي يتشكل في الفهم والذوق نتيجة لبارادايم أو إطار فكري يبدأ مع النشأة، ويُؤسس لنظرة ثابتة تجاه الحياة والمجتمع ومواقفنا منها. ويُقصد بالبارادايم منظومة مفاهيم مترابطة أيديولوجيًا، ولا تُشترط أن تكون متماسكة علميًا أو دينيًا. يعيش المجتمع في ظل هذه المنظومة لفترات طويلة، فتتحول إلى هابيتوس وجداني يسيطر على اللاوعي ويظهر في الوعي.

تغير البارادايم واستمرار الهابيتوس

قد يتبدل البارادايم – كما حدث في موقف المجتمع من قيادة المرأة للسيارة – غير أن الهابيتوس المتجذر في الوجدان حول ما هو مسموح وما هو محظور لا يزول فورًا. يبقى هذا الهابيتوس ساطعًا لسنوات، بل وعقود، ويصبح مصدر قلق داخلي لمن يخالفه.

مثال توضيحي من مجال الضيافة

مثلاً، إذا أقام شخص في فندق فخم وتفاجأ بوجود لوحة فنية أنيقة على الجدار تحمل صورًا لأرواح، قد يشعر بانزعاج لا إرادي ويطلب تغيير الغرفة أو إزالة اللوحة. إذا لم تدرك إدارة الفندق البارادايم الذي يعيشه هذا النزيل، قد ترد عليه بعبارة مثل: «إنها مطبوعات كانفس لأعمال عالمية». هنا تتجلى أزمة الهابيتوس الصحوي أمام الفنون، إذ قد يرفض النزيل الموسيقى في بهو الفندق لكنه يبرر نفسه بقول: «الضرورات تبيح المحظورات»، مع عدم تقبله لتلك الصورة المعلقة.

بعد ذلك قد يلجأ إلى حلّ سلمي مثل نزع اللوحة ووضعها مقلوبة في خزانة الفندق أو تحت السرير لتجنب أي حرج.

تجليات الهابيتوس في الفقه والفن

يتجلى البارادايم والهابيتوس أيضًا في مواقف فقهية مختلفة، مثل اختلاف آراء فقيه أزهري مصري وفقيه من بيئة أخرى حول أغاني أم كلثوم، أو ما تتناوله المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي في فترات ما قبل وما بعد مصر. ومن هنا يوضح أحد علماء المدرسة السلفية النجدية استخدامه لمصطلح «الضريح» بمعنى حديث، مقارنةً بمعانيه في عصور سابقة، ما يثير تساؤل السلفي التقليدي الحالي حول عدم اختيار المؤلف لعنوان آخر غير «السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة»، متغافلاً عن البارادايم الذي ساد في زمن المؤلف (منتصف القرن الثالث عشر الهجري) بمكة المكرمة، مما أسفر عن هابيتوس لا يلتزم بحساسية كلمة «ضريح» لدى السلفية الحالية.

الهابيتوس الصحوي بين الأجيال

تُشكِّل الجيل الذي نشأ في ظل أيديولوجية الصحوة الصلبة النواة الأساسية لهذا الهابيتوس. فمثلاً، شخص مولود عام 1973 يذكر أنه كان يصلي مع والده في مسجد حارته في إحدى مدن جنوب المملكة، حيث كان هناك يمانيون يشاركونه الصلاة دون تفرقة، في مشهد يُشبه الحرم المكي بتنوع طوائفه. مع ظهور البارادايم الصحوي، اختفت هذه التسامحات المذهبية وتفاقمت الانقسامات الطائفية.

ولا يُعفى هذا الجيل من مسؤولية؛ فزملاء الدراسة الذين كان يلقاهم في كلية الشريعة أصبحوا فيما بعد مفتينًا لداعش، وقد استشهد أحدهم في معركة عام 2015 (مقتل مفتي داعش 2015).

أما الجيل الأحدث الذي نشأ مع انتشار القنوات الفضائية والإنترنت، فيظهر أقل صلابةً من حيث أعراض الهابيتوس الصحوي.

العلاقة بين الصحوة والإرهاب

من يطرح سؤالًا حول خلط الصحوة بالإرهاب قد يغفل أن أحد أبرز زعماء الصحوة في فترة سابقة كان يُعطي الدعم للمتطرفين، حيث تولى دورًا وسيطًا بين وزارة الداخلية والجماعات الإرهابية. لا يُستعرض هنا تفاصيل هذا المشهد، لكنه يسلط الضوء على تداخل الأدوار بين جناح صحوي سياسي وجناح عسكري متورط في عمليات إرهابية، إضافة إلى ممانعة الصحوة المبدئية لتصنيف من يقتل رجال الأمن كإرهابي، مفضلةً مصطلحات مثل «المجاهدين» أو «الاستشهاديين».

للنشر و الاعلان