الهدف والرؤية
في الماضي كان ينظر إلى الثقافة على أنها فضاء للإبداع وحفظ الهوية، لكنها اليوم باتت تُعتبر مورداً اقتصادياً يولد الفرص ويضيف القيمة، خاصة مع توسع الاقتصاد الإبداعي عالمياً. لم يعد المنتج الثقافي مقتصراً على المعارض والمسارح، بل يستطيع التحول إلى سلع وخدمات وتجارب تمس حياة الناس وتربط الإبداع بحركة السوق.
آليات التنفيذ
في المملكة تُعزز هذه الرؤية من خلال مبادرات تقودها وزارة الثقافة بهدف تمكين الفنانين والمثقفين والممارسين الثقافيين وفتح مسارات جديدة لمشاركتهم في التنمية الاقتصادية. يأتي برنامج “الثقافة في مرافق الضيافة” ضمن شراكة استراتيجية بين وزارتي الثقافة والسياحة ليجسر الفجوة بين القطاع الثقافي وقطاع الضيافة، ويجعل الإبداع جزءاً من تجربة سياحية واقتصادية متكاملة يستفيد منها الممارس والمنشأة والزائر. لا يقتصر البرنامج على إثراء تجربة الزائر بالمحتوى الثقافي، بل يتيح للممارسين فرصاً عملية لتقديم منتجاتهم وخدماتهم وخبراتهم داخل منشآت الضيافة، كالحرفي الذي يصنع قطعة مستوحاة من تراث منطقته، والفنان الذي يقدم عملاً بصرياً يعكس هوية المكان، والطاهي الذي يعرّف الضيوف بالموروث الغذائي المحلي؛ جميعهم قادرون على تحويل مهاراتهم ومعارفهم إلى قيمة اقتصادية ترتبط مباشرة بتجربة الزائر.
التأثير والفوائد
تكمن أهمية هذا النموذج في أنه يمنح المنتج الثقافي مساحة تتجاوز العرض التقليدي، ليصبح جزءاً من رحلة الزائر نفسها؛ فالحرفة لا تُقدم كسلعة فقط بل تحمل قصة المكان ومهارات أبنائه، والعمل الفني يمنح الزائر قراءة بصرية للهوية المحلية، والطعام يتحول إلى وسيلة للتعرف إلى الموروث والعادات المرتبطة به. وتزداد هذه الفرص مع النمو المتسارع للقطاع السياحي في المملكة وارتفاع الطلب على التجارب الأصيلة التي تعكس الثقافة المحلية؛ فالزوار لم يعودوا يبحثون فقط عن إقامة تقليدية، بل عن تجارب تمنحهم فهمًا أعمق للمكان، وهنا تبرز القيمة الاقتصادية للمحتوى الثقافي الذي يتحول من عنصر جمالي أو معرفي إلى عامل مؤثر في تشكيل التجربة السياحية. كما يسهم البرنامج في توسيع نطاق وصول الممارسين الثقافيين إلى شرائح جديدة من الجمهور وفتح أبواب لبناء شراكات مهنية مع مرافق الضيافة والمنشآت السياحية، مما يتيح لهم مسارات أكثر استمرارية لعرض أعمالهم وتقديم خدماتهم بدلاً من الارتباط بمناسبة أو فعالية محددة، وهذا يعزز استدامة الممارسات الثقافية وتنوع مصادر الدخل المرتبطة بها. من جهة أخرى تستفيد مرافق الضيافة من هذا التكامل عبر تقديم تجارب أكثر تميزاً وارتباطاً بهوية المكان؛ المنشأة التي تدمج الثقافة المحلية في تفاصيل تجربة الضيف لا تقتصر على تقديم الإقامة فحسب، بل تمنح الزائر فرصة للتعرف إلى المجتمع من خلال فنه وحِرفه وموروثه الغذائي، ما يضيف قيمة وخصوصية للتجربة. ويحصل الضيف على تجربة تجمع بين الراحة والمعرفة والتفاعل مع الثقافة المحلية، لتتشكل منظومة تحقق المنفعة لجميع الأطراف: الممارس يصل إلى أسواق جديدة، ومرفق الضيافة يطور عرضه، والزائر يقترب بصورة أكبر من هوية الوجهة وثقافتها. ومن هنا يمثل البرنامج فرصة للممارسين الثقافيين الراغبين في توسيع حضورهم وتحويل إبداعهم إلى فرص اقتصادية أكثر استدامة؛ فكل حِرفة، وكل قصة، وكل عمل إبداعي قادر على أن يكون جزءاً من تجربة تترك أثراً ثقافياً واقتصادياً في آن واحد، وتؤكد أن الثقافة ليست فقط ما يعرّف بالمكان ويحفظ هويته، بل مورد يسهم أيضاً في تنمية اقتصاده.






