عاجل
١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 24 أغسطس 2026
الرياض +15°C

السؤال المتجدد: مفتاح العقل النابض بالحياة ودرع المجتمعات من الانغلاق الفكري

24/08/2026 01:02

عندما يتخلى العقل عن مهمته الجوهرية المتمثلة في الاستفهام والتساؤل، فإن المجتمعات تتهاوى بسرعة، إذ تلجأ إلى الإجابات الجاهزة التي تمنحها راحة مؤقتة من عناء البحث، وتُريحها من مشقة السعي نحو الحقيقة. في تلك اللحظة، ينتشر وباء الجمود الفكري بين أفراد المجتمع، ويسقطون في فخ الأيديولوجيات المنغلقة.

أسئلة بلا إجابات: نبض التفكير الدائم

أعظم الأسئلة هي تلك التي لا تحمل إجابات محددة، لأنها تحافظ على استمرارية عمل التفكير. لذا، من الضروري أن نُعلّم الأبناء فن السؤال، لا الإجابة؛ فالتساؤلات تمنح الحياة، بينما الإجابات قد تؤدي إلى الجمود. أليس غزو الإنسان للفضاء نتاجاً لتحريض السؤال؟ وهل تولد الحكمة من غير رحم التساؤل؟ إن آفاق المعرفة موصدة، ومفتاحها الوحيد هو السؤال.

قصة أينشتاين: إجابات متغيرة وأسئلة ثابتة

في أحد الأيام، وزع ألبرت أينشتاين أوراق الامتحان على طلابه، فاعترض أحد التلاميذ قائلاً: «يا أستاذ، أليست هذه هي الأسئلة نفسها التي طرحتها العام الماضي؟» فأجابه أينشتاين: «نعم، ولكن الإجابات تغيرت!» ما المغزى من ذلك؟ يعني أن الإجابات التي نمتلكها حالياً، لا محالة، سيأتي يوم نكتشف فيه زيفها، ولا سبيل لاختبارها والتأكد من متانتها سوى بإزعاجها بأسئلة متتالية، ونقض مضجعها باستفسار بعد آخر.

السؤال: أداة كشف اليقين الزائف

جميع الاكتشافات العلمية العظيمة والأفكار الفلسفية الكبرى انطلقت من سؤال؛ فالتساؤل يكشف ما وراء الظواهر، ويبحث في جوهر الأشياء، ولا يكتفي بمعرفة القشور. كما يتمتع بقدرة مذهلة على زعزعة اليقين التقليدي، وكشف مواطن الجهل المخبأة فيه. التصديق السريع يُعد سذاجة، وكذلك التكذيب السريع سذاجة أيضاً، ولا طريقة لتحصين العقل من الانزلاق إلى هذه الغباوات إلا بتعليم أنفسنا كيف نسأل، لا كيف نجيب، وبخاصة الأسئلة المفتوحة التي تبدأ بـ«كيف» و«لماذا»، مع الابتعاد عن الأسئلة الضيقة التي لا تكون إجاباتها سوى «نعم» أو «لا».

التناقض الخصب: منهج في طرح الأسئلة

سأقدم مثالاً على طريقة فعالة في طرح الأسئلة: الأسئلة التي تفتق الذهن وتفتح الباب أمام سلسلة لا تنتهي من التساؤلات هي تلك التي تجمع بين فكرتين متناقضتين في آنٍ واحد. فمثلاً، في موضوع «التسامح والتعصب»: هل يمكن للمجتمع أن يتسامح مع الأفراد المتعصبين الذين يعادون التسامح؟ إذا تسامح المجتمع معهم، فإنه يتركهم ليدمروا فضيلة التسامح، وإذا ضيق عليهم، يصبح المجتمع غير متسامح. طرح مثل هذه الأسئلة يكشف التناقضات الداخلية في المفاهيم البشرية. كما أننا لن نستطيع فهم الطبيعة ما لم ندرك ما وراءها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بطرح الأسئلة التي تقودنا إلى العمق، وتكشف لنا الروابط الخفية بين عناصرها.

الإجابات المغلقة: موت العقل أم حياة جديدة؟

الإجابات النهائية تمثل موتاً للعقل، حتى لو كانت صحيحة، بينما الإجابات المفتوحة فهي حياة له، حتى لو كانت خاطئة، لأنها تفضي إلى سؤال آخر. في العصور الوسطى، حرمت الكنيسة السؤال، ورفعت شعارها الشهير: «أطفئ مصباح عقلك واتبعني». وكانت النتيجة أن أوروبا غرقت في عصور الظلام، وسقطت في غياهب الجهل، وتهاوت في ظلمات الخرافة. لذا، لا تخف من السؤال، بل خف من عدم السؤال.