عاجل
١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 24 أغسطس 2026
الرياض +15°C

جدل حول شرطي تعويض مئة ريال في عقود العمل

24/08/2026 01:02

مشكلة الشرط التعويضي الرمزي

تظهر بعض عقود العمل بنداً ينص على أن إنهاء العقد من قبل صاحب العمل لسبب غير مشروع يستحق العامل تعويضاً لا يتجاوز مائة ريال، بينما إذا كان الإنهاء من جانب العامل يلتزم بتعويض صاحب العمل عن كامل المدة المتبقية من العقد. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان أي مبلغ يُكتب في العقد تحت مسمى “تعويض” يُعتبر تعويضاً بالمعنى الذي قصده النظام العمالي.

الرؤية النظامية للتعويض

تنص المادة السابعة والسبعون من نظام العمل على أنه: “ما لم يتضمن العقد تعويضاً محدداً مقابل إنهائه من أحد الطرفين لسبب غير مشروع” يستحق المتضرر التعويض المقرر نظاماً؛ وهو أجر خمسة عشر يوماً عن كل سنة خدمة في العقد غير محدد المدة، وأجر المدة الباقية في العقد محدد المدة، على ألا يقل التعويض في الحالتين عن أجر شهرين. رغم أن النظام يجيز للطرفين تحديد التعويض بالاتفاق، فإن تحويل هذا الجواز إلى وسيلة لتفريغ النص من غايته يشكل إشكالية.

دور القضاء والجهات الرسمية

إذا كان مجرد وجود مبلغ مكتوب في العقد كافٍ لاستبعاد التعويض النظامي مهما كان زهيداً، فما يمنع أن يكون التعويض مائة ريال أو حتى ريالاً واحداً؟ هنا يبرز الفارق بين وجود التعويض اسماً ووجوده حقيقةً؛ فالتعويض ليس رقماً يوضع لاستكمال متطلبات العقد، بل أثر قانوني يقابل الإنهاء غير المشروع. عندما ينحدر إلى مبلغ رمزي لا يؤدي وظيفة حقيقية، ثم يقترن بتعويض بالغ على العامل عن الفعل ذاته، يصبح التساؤل مشروعاً عن حقيقة الشرط ومدى اتساقه مع الغاية الحمائية للنظام.

لا يكفي القول بصحة ذلك لأن العامل قد وقّع العقد؛ فالتوقيع لا يعني بالضرورة تكافؤ القدرة على التفاوض. العامل الباحث عن فرصة عمل يقف غالباً أمام عقد أعده صاحب العمل سلفاً: إما قبوله وإما فقدان الفرصة. ولو كان مجرد القبول كافياً لتصحيح كل شرط، لفقدت القواعد الآمرة في نظام العمل جانباً كبيراً من وظيفتها.

من هنا تأتي مسؤولية القضاء العمالي في ألا يقف عند ظاهر العبارة، بل ينظر إلى حقيقة الشرط وغايته وأثره؛ فهناك فرق بين تعويض اتفاقي قُدّر بإرادة مشروعة وتعويض صوري لا يبقي من التعويض إلا اسمه.

كما أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تترك للقضاء وحده. فوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مدعوة إلى وضع ضوابط واضحة للتعويض الاتفاقي، وعلى منصة «قوى» ألا تسمح بأن تصبح توثيقاً تقنياً لشروط تبلغ من الاختلال حداً يهدر الحماية التي أقامها النظام. وقد يكون التدخل التشريعي أكثر حسماً، بالنص صراحة على حد أدنى للتعويض الاتفاقي، أو تقرير معيار يمنع التعويض الرمزي والتفاوت الفاحش بين التزامات طرفي العقد.

حماية العامل لا تعني إهدار حق صاحب العمل، وحرية التعاقد لا تعني مصادرة حقوق العامل. المسألة أعمق من ذلك: إنها البحث عن الحد الذي تنتهي عنده حرية الاتفاق، ويبدأ عنده واجب النظام في حماية التوازن العقدي. ويبقى السؤال: إذا كان المُشرع قد ضمن للمتضرر تعويضاً لا يقل عن أجر شهرين عند تطبيق التعويض النظامي، فهل أراد حقاً أن يكون في وسع العقد أن يجعل ثمن الإنهاء غير المشروع مائة ريال؟ «العقد يُحترم لأن النظام يحمي الإرادة، لا لأن الإرادة تملك أن تُفرغ النظام من غايته».